جلست سلوى قرب طرف المقعد، وحقيبتها على ركبتيها. كانت قد دخلت المكان وهي تكرر في سرها أنها جاءت إلى «الأفضل»، وأن الأفضل لا بد أن يعرف ما لا يعرفه الآخرون. لكن الرجل أمامها طلب أن تغلق الباب جيداً، ثم سألها عن أسرار لم تفهم علاقتها بما تشكو منه. وحين أشار إلى هاتفها طالباً صوراً خاصة، شعرت أن شيئاً في صدرها تراجع إلى الخلف.
سلوى اسم مستعار، وهذه قصة مركبة من أنماط متكررة في التجارب غير المأمونة، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. لا نصف شخصاً أو مكاناً حقيقياً. الحكاية عن تلك اللحظة التي يختلف فيها الكلام المنمق عن إحساس الإنسان بحدوده، وعن الحق في المغادرة من غير أن يقدم مرافعة طويلة.
جاءت سلوى بسبب تعب في البيت وقلق استمر معها حتى صار كل خلاف علامة في نظرها. قرأت مدائح كثيرة، ورأت لقب «أفضل شيخ روحاني في المغرب» يتكرر بصيغ مختلفة. لم تكن تريد خرق إرادة أحد، ولا معجزة تستعرضها. كانت تريد أن يقول لها شخص واثق إن ما تشعر به مفهوم وإن هناك مخرجاً.
بدلاً من ذلك، بدأ الأمان ينسحب من الغرفة. قيل لها إن نجاح الجلسة يحتاج إلى أن تكون وحدها، وإن بعض الأسرار لا يجوز أن يسمعها قريب. ثم اقترب الرجل بطريقة لم ترتح لها وقال إن اللمس ضروري. تجمدت لحظة. لم تصرخ، ولم تجد عبارة قوية. قالت فقط: «لا أريد»، فسمعت جواباً يوحي بأن خوفها دليل على شدة حالتها.
الجسد قال ما عجز اللسان عن شرحه
عرفت سلوى أنها تريد الخروج قبل أن ترتب الفكرة. قبضت يدها على حزام الحقيبة، وثبتت قدميها كأن الأرض نفسها تسألها أن تختار. كان جزء منها يخشى أن تكون ظالمة لرجل وصفه آخرون بالخبرة. وجزء آخر كان يسمع بوضوح: هذا ليس آمناً لك.
الإنسان تحت الضغط قد لا يجد الكلمات المثالية. قد يبتسم من شدة الارتباك، أو يصمت، أو يوافق على سؤال ثم يندم. هذا لا يسقط حقه في التوقف عند السؤال التالي. الموافقة على الدخول ليست موافقة على الخلوة. والحديث عن مشكلة ليس إذناً بطلب صور أو كشف أسرار. كما أن قبول الرقية لا يعني قبول لمس لا تريده المرأة أو الرجل.
قالت سلوى إنها ستعود بعد أن تستشير أهلها. حاول الرجل أن يعجلها، وقال إن التأخير يضعف الفرصة. عندها وقفت. لم تنتظر إذناً، وفتحت الباب، وخرجت إلى الممر. كانت ركبتاها خفيفتين على نحو مزعج، كأنها مشت أسرع من قدرتها على الفهم.
يا أختي، عدم الارتياح ليس دائماً حكماً نهائياً على نيات الناس، لكنه سبب كاف للتوقف. لا يلزم أن تثبتي جريمة كي تحمي حدك. قولي لا، واطلبي أن يكون معك شخص تثقين به، وغادري إذا ضاق صدرك من خلوة أو لمس أو سؤال لا ترين له حاجة. من يحترمك لن يجعل رفضك دليلاً ضدك.
في السيارة لم تشعر بالنصر
أغلقت سلوى الباب وجلست من غير أن تدير المحرك. كانت تتوقع أن تشعر بالقوة، لكنها شعرت بالخجل. لماذا ذهبت وحدها؟ لماذا لم ترفض من أول سؤال؟ ولماذا تركت الرجل يرى ارتباكها؟ أخذت تلوم نفسها كأنها هي التي طلبت تجاوز الحدود.
اتصلت بقريبتها ثم أغلقت قبل أن يبدأ الرنين. أعادت الاتصال. حين سمعت صوتاً مألوفاً قالت: «خرجت من مكان ولم أرتح». لم تسرد كل شيء. قالت الجملة فقط. أجابتها القريبة: «ابقَي في مكان ظاهر، أنا معك على الهاتف». كانت هذه الصحبة كافية حتى صار تنفسها أبطأ.
بعد ذلك حكت ما تستطيع. لم تسألها قريبتها لماذا تأخرت في المغادرة، بل قالت إن خروجها كان صواباً. ساعدتها على فصل أمرين خلطهما الخوف: حاجتها إلى السكينة، وطريقة هذا الشخص في التعامل معها. حاجتها لم تكن عيباً. والطريقة التي ضايقتها لا تصبح مقبولة بسبب عنوان روحاني أو ثناء مكتوب.
إذا تعرض إنسان لاعتداء أو تهديد أو احتجاز، فطلب الحماية المختصة أولى من أي معالجة روحانية. وإذا بقي أثر الموقف في صورة خوف شديد أو ذكريات مزعجة أو اضطراب نوم، فالمساندة النفسية أو الطبية باب معتبر. الرقية والدعاء لا يطلبان منا تجاهل الجسد حين يخبرنا أنه متألم، ولا إخفاء الخطر عن أهل الثقة.
رجل لم يسألها عما ستره الله
لم تبحث سلوى في اليوم التالي عن اسم أكبر. تركت الهاتف جانباً مدة، ثم طلبت من أسرتها أن تدلها على شخص معروف بالسيرة الهادئة، لا بالإعلانات. ذهبت هذه المرة ومعها قريبة. كان اللقاء في موضع مفتوح، ولم يطلب الرجل أن ينفرد بها.
قالت له إنها لا تريد رواية التفاصيل. أجاب: «لا تروي ما لا تحتاجين إلى روايته». لم يسأل عن صور، ولم يطلب اسم أم، ولم يقل إنه يرى شيئاً خفياً. سألها إن كانت تنام وتأكل بصورة معتادة، وهل راجعت طبيباً بشأن التعب الذي يلازمها. ثم ذكّرها بأن القلق قد يجعل العالم كله يبدو رسالة موجهة إلينا.
لم يمنحها حكماً سريعاً. قال إن بوسعها أن تقرأ على نفسها ما تيسر من القرآن والأدعية المأثورة التي تعرفها، وأن تحافظ على الصلاة والذكر من غير أعداد غامضة ولا شروط سرية. وإذا أرادت أن يقرأ أحد بحضور أسرتها فذلك اختيارها، ولها أن توقف القراءة في أي وقت.
استغربت سلوى أن الجلسة المأمونة بدت أقل إثارة. لا كشف مذهل، لا أسرار، ولا وعد بموعد تنتهي فيه مشكلتها. ومع ذلك خرجت أخف. ربما لأن الرجل لم يجعل نفسه مركز نجاتها. أعادها إلى ربها، وإلى عقلها، وإلى أهلها، وإلى المختص حين يحتاج الأمر اختصاصاً.
صاحب الأمانة لا يطلب منك أن تخلعي كرامتك عند الباب حتى يثبت قدرته.
هذا هو الفارق الذي لم تمنحه لها عبارات «الأفضل». كبر اللقب لا يساوي كبر الأمانة. قد يكون الإنسان قليل الظهور لكنه واضح الحدود، وقد يملك آخر صوراً وشهادات مدح ولا يصون من أمامه. لا نعرف السرائر، لكننا نستطيع أن نرى السلوك: هل يقبل وجود قريب؟ هل يحترم الرفض؟ هل يترك الستر مستوراً؟ هل يرد الأمر الطبي إلى أهله؟
الحياء الذي يحفظ ولا يسكت
كانت سلوى تظن أن الحياء يعني ألا تتحدث عما حدث. ثم فهمت أن الستر لا يطلب منها حماية من تجاوز حدها. تستطيع أن تختار شخصاً مأموناً وتحكي له بقدر الحاجة. ويمكنها أن تحافظ على خصوصيتها من غير أن تحمل التجربة وحدها.
الحياء في معناه الجميل يحفظ الكرامة، لكنه لا يمنع قول «لا تلمسني» أو «لن أبقى وحدي» أو «لن أرسل صورة». هذه عبارات ليست إساءة إلى الدين ولا إلى الرقية. الجسد أمانة، والخصوصية أمانة، وصاحب التوجيه الصادق لا يساوم عليهما. اللمس ليس شرطاً لازماً للقراءة، والخلوة ليست علامة إخلاص.
بدأت سلوى تقرأ لنفسها في بيتها. كانت تضع كوب الماء جانباً، تجلس قرب نافذة مفتوحة، وتقرأ ما تحفظ من غير أن تراقب جسدها بحثاً عن كل حركة. أحياناً يهدأ قلبها، وأحياناً يبقى مشغولاً. لم تعتبر اليوم الصعب دليلاً على فشلها، ولم تبحث عن شخص يفسره لها بثمن.
قالت في دعائها: اللهم استرني واحفظني واهدني إلى ما فيه خير، وارزقني بصيرة لا تخاف السؤال. كان الدعاء يعيد لها مساحة القرار. والتوكل عندها لم يعد تسليم نفسها لإنسان واثق، بل اعتماداً على الله وهي تستشير أهلها، وتراجع طبيباً حين يلزم، وتحفظ حدودها.
لم تعد تسأل من هو الأفضل على الإطلاق. صار سؤالها أكثر هدوءاً: مع من تبقى كرامتي كاملة؟ قد لا يعطيها هذا السؤال اسماً سريعاً، لكنه يحميها من أن تستبدل ألمها بتبعية جديدة.
سؤالان عن الجلسة والحدود
هل يجب قبول الخلوة أو اللمس حتى تنجح الرقية؟
لا يلزمك قبول خلوة أو لمس لا ترتاح إليه. يمكنك أن تشترط حضور قريب مأمون، وأن ترفض أي تماس، وأن توقف الجلسة وتغادر. القراءة والدعاء لا يحتاجان إلى انتهاك حدودك، ويمكن للإنسان أن يرقي نفسه بما يعرف من قراءة مشروعة.
ماذا أفعل إذا طلب مني شخص صوراً خاصة أو أسراراً محرجة؟
اسألي عن الحاجة، ومن حقك الامتناع من غير تبرير طويل. لا ترسلي مادة خاصة تحت ضغط التخويف أو الوعد بنتيجة. أخبري شخصاً تثقين به، وإذا وُجد تهديد أو استغلال فاطلبي المساندة المختصة. احتياجك إلى المساعدة لا يلزمك بكشف ما ستره الله.
بعد أسابيع مرت سلوى قرب الحقيبة التي حملتها في ذلك اليوم. تذكرت يدها وهي تقبض على الحزام، لا بوصفها يد امرأة ضعيفة، بل يد امرأة سبقت كلماتها وفتحت الباب. لم تجد «الأفضل» في لقب. وجدت شيئاً أنفع: قدرتها على سماع عدم ارتياحها، وعلى قول لا، ثم العودة إلى الله من غير أن تترك كرامتها عند أحد.