رسم سامر خطاً في منتصف صفحة بيضاء. كتب عن يمينه «نبدأ»، وعن يساره «نتراجع». ثم دفع القلم إلى شريكه نجيب وقال: «اختر أنت إذا كنت واثقاً». لم يمد نجيب يده. كانا قد أعادا الحديث عن المشروع مرات كثيرة، وكل مرة ينتهيان عند السؤال نفسه: من يتحمل قراراً قد ينجح وقد يخسر؟
هذه قصة مركبة من أحوال يتداخل فيها المال والشراكة والخوف من الندم، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. الاسمان والمشروع بلا إحالة إلى أشخاص أو نشاط حقيقي، وأكادير مكان اجتماع وبحث فقط. لا تنسب الحكاية إلى المدينة أو أهلها سوقاً مخصوصة ولا عادة ولا سمة روحية.
قال سامر إنه سمع عن شيخ روحاني في اكادير يمكن أن «يرى الخير» في الأمر. لم يطلب دراسة جديدة؛ كان على الطاولة تقدير أولي وتفاصيل كثيرة لم يتفقا عليها. أراد علامة تجعل الكفة تميل بلا رجعة. أما نجيب فخاف أن تتحول كلمة رجل غريب إلى توقيع روحي على عقد لم ينضج.
شراكة بدأت بحلم واحد وخوفين
حين ولدت فكرة المشروع، كان الكلام سهلاً. تخيلا عملاً يجمع خبرتهما ويمنحهما استقلالاً أوسع. ومع اقتراب الالتزام ظهر ما أخفته الحماسة: سامر مستعد لمخاطرة أكبر، ونجيب يحتاج إلى حد يحمي التزاماته. لم يكن أحدهما أشجع بإطلاق ولا الآخر أضعف. لكل واحد حياة لا يراها شريكه كاملة.
اختلفا في مقدار المال، وفي توزيع العمل، وفيما يحدث إذا أراد أحدهما الانسحاب. قال سامر إن كثرة الشروط تقتل الثقة. رد نجيب أن الثقة التي تخاف الكتابة ستتعب عند أول خلاف. تركا المسودة ناقصة، ثم صارا يناقشان النوايا بدلاً من البنود: أنت لا تؤمن بالفكرة. وأنت تريد أن تجرني خلفك.
في هذا الجو بدت العلامة الحاسمة رحمة. إذا قال شخص صالح «امضيا»، فلن يحتاجا إلى مواصلة الحوار المرهق. وإذا قال «اتركا»، سيتخلصان من مسؤولية الخسارة. لكن القرار الذي يخص مال شخصين لا يصير آمناً لأنهما وضعاه في يد ثالث ثم سميا قوله إشارة.
طلب علامة بدل مراجعة الورقة
أصر سامر على لقاء ناصح ذكره له قريب. وافق نجيب بشرط أن يحضرا معاً، وألا يرسلا تفاصيل أو يدفعا شيئاً قبل أن يعرفا طبيعة الحديث. حمل سامر الصفحة المقسومة في جيبه كأنها سؤال امتحان ينتظر إجابة واحدة.
بعد أن شرحا اختلافهما، سأل سامر مباشرة: «نستخير، ثم تخبرنا أي الطريقين أفضل؟». قال الرجل: «استخيرا أنتما. أما أنا فلا أعلم مستقبل مشروعكما، ولا أملك أن أحول الاستخارة إلى خبر عن الغيب». ظن سامر أنه يرفض المساعدة، فسأله عن انشراح الصدر والرؤيا.
أجابه بأن الإنسان قد يشعر براحة أو تردد، وقد يرى حلماً أو لا يرى، لكن هذه الأمور لا تمنح عقداً ناقصاً حصانة من الخسارة. الاستخارة دعاء وافتقار إلى الله عند الاختيار، وليست جهازاً يكشف نتيجة السوق، ولا تصويتاً غيبياً يربح به رأي أحد الشريكين.
الاستخارة لا تتكلم بصوت الناصح
قال الرجل لسامر: «إذا خرجت من هنا وقلت لشريكك إن الشيخ اختار رأيك، فقد جعلتني طرفاً في الضغط عليه». ثم التفت إلى نجيب وقال إن رفض التنبؤ لا يعني أن كل خوف حكمة. كلاهما يحتاج أن يميز بين معلومات ناقصة وقلق لا يمكن إسكاته تماماً.
قرأ معهما دعاء الاستخارة بمعناه المعروف: سؤال الله بعلمه وقدرته أن ييسر الخير ويصرف الشر، ثم أوضح أن العبد بعد الدعاء يجمع المعلومات ويستشير ويمضي فيما يرجح له، أو يتوقف إذا ظهر مانع معتبر. لا ينتظر بالضرورة حلماً، ولا يفتش كل حادث عابر ليجعله رسالة مشفرة.
كان سامر يتمنى أن يسمع «نعم»، لكنه سمع شيئاً أقل راحة وأكثر احتراماً: قرارك سيبقى قرارك. التوكل لا يلغي نسبة المخاطرة، والدعاء لا يجعل الخسارة دليلاً على أن الاستخارة فشلت. قد يأخذ الإنسان بالأسباب ثم تأتي نتيجة لا يحبها، ويبقى مأجوراً على صدقه واجتهاده إن شاء الله.
وحين سأله نجيب إن كان تعسر اجتماع سابق علامة على الترك، قال إن المواعيد تتعسر لأسباب عادية كل يوم. لا يصح أن ينتقي الشريكان حادثة توافق خوف أحدهما ثم يسمياها جواباً. إن ظهر عيب حقيقي في الخطة فليسمياه عيباً ويدرساه، أما المصادفات فلا تحمل عقدهما نيابة عنهما.
الأسئلة التي لم يجب عنها الحلم
أعاد الناصح الصفحة إلى سامر وسأل عن العقد. تبادل الشريكان نظرة قصيرة. قال نجيب إن المسودة موجودة لكنها لا تحدد الخروج من الشراكة. وسأل الرجل عن صلاحية كل واحد في الإنفاق، وعن توزيع الجهد، وعن طريقة حل النزاع. لم يعطهما أحكاماً قانونية، بل أظهر لهما مواضع تحتاج إلى مختص وعقد واضح.
في المساء جلسا إلى الطاولة نفسها. هذه المرة لم يرسما عمود «نعم» وعمود «لا». كتبا الأسئلة التي كانا يهربان منها: ما الحد الأقصى الذي يقدر كل منا على خسارته؟ من يملك القرار اليومي؟ كيف نوثق المساهمات؟ ماذا نفعل إذا اختلفنا؟ ومن يراجع العقد قبل التوقيع؟
اكتشف سامر أن نجيب لم يكن يرفض المشروع كله. كان يرفض أن يضع مالاً لا يستطيع تعويضه. واكتشف نجيب أن استعجال سامر لم يكن طمعاً مجرداً؛ كان يخاف أن تضيع فرصة عمل يحتاجها. لم تحل المعرفة الخلاف، لكنها نزعت عنه اتهامات ثقيلة. صار في وسعهما التفاوض على أرقام وشروط بدلاً من محاكمة النيات.
موافقة الطرفين ليست تفصيلاً
اقترح سامر أن يبدأا بنطاق أصغر، فطلب نجيب وقتاً لمراجعة أثر ذلك على التزاماته. كاد سامر يقول إن الشيخ شجعهما على المضي، ثم تذكر أن الرجل لم يقل هذا. ترك الجملة تموت قبل أن تصبح ضغطاً دينياً. قال بدلاً منها: «خذ وقتك، ولن نوقع حتى نفهم نحن الاثنين».
هذا فارق يحفظ الشراكة. لا تكفي موافقة خرجت من الحرج أو الخوف من اتهام صاحبها بقلة التوكل. لكل شريك حق أن يعرف المخاطر، وأن يسأل، وأن يستعين بمختص، وأن يرفض بنداً لا يطمئن إليه. وقد يكون التوقف هو القرار الأنسب، وقد يكون تعديل المشروع، ولا يملك ناصح أن يضمن أياً منهما باسم الكشف.
اتفقا أن يراجعا العقد مع شخص مؤهل، وأن يحددا فترة اختبار لا تحمل أحدهما فوق طاقته. لم يعد الشيخ مديراً خفياً للمشروع. بقي دوره في موضعه: ذكّرهما بالأمانة، ومنع استعمال الدين لترجيح إرادة على أخرى، ودعاهما إلى صلاة واستخارة وشورى صادقة.
كيف يبدو الناصح المأمون في قرار مالي
الناصح المأمون لا يسألك عن تفاصيل ليزعم بعدها أنه رأى ربحاً مكتوباً، ولا يربط فشل المشروع بحسد مجهول من أول جلسة. لا يطلب مالاً مقابل ضمان، ولا يخيفك بأن التردد سيضيع «الفتح». إذا جهل قال لا أعلم، وإذا احتاج الأمر إلى قانون أو محاسبة أو خبرة فنية أحالك إلى أهلها.
وهو لا يحتقر حاجتك إلى الدعاء. قد يجلس معك بهدوء، يقرأ ما تيسر، ويدعو بالرزق الحلال والبركة وصرف الضرر. لكنه يعرف أن البركة لا تُبنى على غموض بين الشركاء، وأن حفظ العهد من المعاني الروحية نفسها. الورقة الواضحة ليست علامة سوء ظن؛ قد تكون رحمة حين تتغير الظروف.
أما الشريك الذي يريد جواباً سريعاً، فلا يُسخر منه. الخوف من الندم مؤلم، خصوصاً حين يتعلق بمال وتعب وعلاقة قديمة. قل له: صل، واستخِر، واستشر، ثم امنح نفسك حق قبول بقاء شيء من عدم اليقين. الإنسان لا يعيش إلا وفي قراراته جزء لا يراه.
الصفحة التي لم تعد تطلب نبوءة
بعد أسبوع عاد سامر إلى الصفحة الأولى. محا كلمتي «نبدأ» و«نتراجع»، وكتب في أعلاها: «ما الذي يلزم كي نقرر بحرية؟». تحتها وضعا ما اتفقا عليه وما بقي مختلفاً. كانت الصفحة أكثر ازدحاماً وأقل رهبة. لم تمنحهما يقيناً، لكنها لم تعد تطلب من الغيب أن يوقع مكانهما.
صليا كل واحد على حدة، ودعا كل منهما أن ييسر الله الخير ويصرف عنهما ما فيه ضرر. ثم اجتمعا من غير أن يدعي أحدهما أن قلبه يحمل أمراً ملزماً للآخر. توصلا إلى صيغة أولية مشروطة بالمراجعة، مع حق واضح في التوقف قبل الالتزام النهائي. لم يكن ذلك نصراً لسامر أو لنجيب.
بقي المستقبل مجهولاً كما كان، لكن العلاقة تغيرت. صار في وسع الشريكين أن يقولا «لا أعرف» من غير أن يبحثا فوراً عن صوت يدعي المعرفة. وهذه ثمرة هادئة للاستخارة حين توضع في مكانها: قلب يسأل الله الخير، وعقل يراجع الأسباب، ويدان لا توقعان إلا بعد وضوح وموافقة. أما النتيجة فليست نبوءة يحملها شيخ، بل أمر نمضي إليه بصدق ونستودعه الله.