وضعت مريم ورقتين على الأرض. كتبت على الأولى أبقى، وعلى الثانية أذهب، ثم جلست بينهما كأنها تنتظر أن تميل الغرفة إلى جهة. قُبلت في برنامج دراسي خارج مدينتها، والموعد الأخير للرد يقترب. كلما سألت أسرتها سمعت رأياً جديداً، حتى تمنّت لو يقول لها شخص ذو هيبة: هذا هو قدرك، فلا تعودي إلى السؤال.
هذه قصة مركبة عن الخوف من مسؤولية قرار الدراسة والانتقال، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. مريم وأسرتها والشيخ شخصيات للحكاية، ولا تشير التفاصيل إلى جامعة أو مدينة أو شخص حقيقي. وذكر المغرب سياق للبحث فقط، من غير نسبة نمط قرار أو صفة اجتماعية إلى أهله.
حجزت مريم لقاء مع شيخ روحاني في المغرب بعدما أخبرتها صديقة أنه هادئ ولا يضغط على الناس. لم تكن تريد رقية ولا تفسير حلم. أرادت حكماً. قالت في أول دقيقة إنها ستفعل ما يراه، ثم انتظرت أن يسألها عن اسمها الكامل أو يرى علامة لا تراها هي. لكنه سأل: ما الذي تخافين أن تخسريه في كل اختيار؟
القرار الذي أرادت أن تضعه في يد أخرى
أجابت بأنها تخاف الندم. إن ذهبت واشتاقت إلى أهلها، ستلوم نفسها. وإن بقيت وضاعت الفرصة، ستلوم نفسها أيضاً. كان حمل القرار عندها أثقل من الانتقال نفسه. تخيلت أن اختيار الشيخ سيمنحها عذراً نظيفاً: إن صعب الطريق، تقول إنها اتبعت نصيحة رجل يعرف أكثر.
قال لها الشيخ إن النصيحة يمكن أن تنير جانباً، لكنها لا تعيش النتائج عنها. لم يقل لها اذهبي كي تكون شجاعة، ولم يقل ابقي كي تكون بارة. سأل عن طبيعة البرنامج، وتكاليفه، والسكن، وقدرتها على الرجوع، وما إذا كان أحد يضغط عليها. أسئلة عادية جداً، حتى شعرت مريم أن اللقاء أقل روحانية مما توقعت.
لاحظ ترددها فقال: الروحانية التي تسلبك عقلك لا تحفظك. الله أعطاك قدرة على النظر والسؤال، والاستخارة لا تعني أن يسلم الإنسان قراره لغيره. كانت تتمنى إشارة أسرع، لكنها كتبت الجملة في طرف الورقة الأولى. لأول مرة ظهر أمامها أن طلب الحسم من الشيخ قد يكون هروباً من حقها، لا زيادة في التقوى.
مخاوف لها أسماء لا غيوم
بدأت تسمي ما كان مختلطاً. تخاف الوحدة، وتخاف الكلفة، وتخاف أن تمرض بعيداً عن أمها. وفي جهة البقاء، تخاف أن تنكمش فرصها وأن تحمل أهلها ذنباً لم يطلبوه. لم يحاول الشيخ إزالة هذه المخاوف بالدعاء وحده. قال إن بعضها يحتاج معلومات، وبعضها يحتاج قبولاً بأنه لا يمكن ضمان حياة بلا خسارة.
طلب منها أن تعرف شروط السكن والدعم المتاح ومواعيد السفر، وأن تتحدث مع طالبة عاشت تجربة مشابهة من غير أن تجعل تجربتها حكماً. كما شجعها على مصارحة أسرتها بما تحتاجه، لا الاكتفاء بسؤالهم ماذا أفعل. فرق كبير بين من يطلب رأياً وبين من يطلب من الآخرين أن يحملوا عنه العاقبة.
عادت مريم إلى البيت ولم تلمس الورقتين. اتصلت بالجهة الدراسية وسألت عن تفاصيل كانت تؤجلها لأنها بدت صغيرة أمام سؤال القدر. عرفت إمكان تأجيل محدود، ومساراً للدعم، والتزاماً مالياً لم يكن واضحاً. بعض المعلومات قربتها من الذهاب، وبعضها جعل القرار أصعب. لكنه صار صعباً على أرض، لا داخل ضباب.
الاستخارة ليست رسالة من المستقبل
في الليلة التالية صلت مريم الاستخارة. لم تنتظر حلماً، ولم تفتح هاتفها بحثاً عن أول كلمة تعدها علامة. دعت الله أن ييسر لها الخير ويصرف عنها الشر، ثم نامت ونبضها سريع كما كان. في الصباح لم تستيقظ بيقين كامل. شعرت بخيبة قصيرة، كأنها أدت العبادة ولم يصلها الرد بالطريقة التي تخيلتها.
حين ذكرت ذلك للشيخ، قال إن الاستخارة دعاء وتفويض، وليست كشفاً للمستقبل ولا إلغاءً للتفكير. قد يمضي الإنسان بعد السؤال والمشاورة ثم يجد يسراً أو عارضاً، ولا يملك أن يفسر كل تفصيل كرسالة خاصة. العبادة تهذب تعلقه بالنتيجة، لكنها لا تعفيه من جمع المعلومات وتحمل اختياره.
قرأ معها دعاءً عاماً بالتوفيق والثبات، ثم رفض أن يفسر هدوءاً عابراً في صدرها بأنه أمر بالذهاب. قال إن المشاعر تُسمع ولا تُعبد؛ قد تكشف رغبة أو خوفاً، وقد تتغير بعد نوم أو حديث. عليها أن تضم شعورها إلى المعلومات والقيم والقدرة الواقعية، لا أن تجعله نبوءة.
حين اختلف البيت ولم ينكسر
كان والد مريم يميل إلى بقائها، بينما رأت أختها أن الفرصة تستحق التجربة. في السابق كانت تجمع الآراء لتعرف أي فريق أقوى. هذه المرة جلست مع كل واحد لتسمع السبب. اكتشفت أن والدها يخشى عبئاً مالياً لم تناقشه معه، وأن أختها تفترض وجود دعم أكبر مما هو متاح.
لم يتحول الحوار إلى تصويت. شرحت مريم ما جمعته، وسألت أهلها عما يستطيعون تقديمه فعلاً. قالت إنها لا تريد موافقة مشروطة بأن تضمن لهم النجاح، ولا رفضاً مبنياً على خوف لا يُقال. بكى والدها قليلاً، واعترف أن فكرة البيت من دونها تؤلمه. لم يكن هذا دليلاً أن البقاء واجب، لكنه حقيقة تستحق الحنان.
قال لها الشيخ بعد ذلك إن بر الأسرة لا يعني أن تختفي إرادتها، والاستقلال لا يعني أن تعامل مشاعرهم كعائق. يمكنها أن تسمعهم وتحفظ حقها في القرار. وإذا كان هناك منع أو ضغط يهدد سلامتها أو حقاً واضحاً، تطلب مساندة مناسبة. أما في حكايتها، فالمطلوب حوار ناضج لا خصومة روحية.
الشيخ الذي امتنع عن الجواب المطلوب
قبل انتهاء اللقاء الثاني، سألت مريم للمرة الأخيرة: لو كانت ابنتك، ماذا تختار؟ عرف الشيخ أنها تحاول تغيير صيغة السؤال كي تحصل على الحكم نفسه. أجاب أن ابنته ستكون لها ظروف أخرى، وأن تشبيه الحياتين قد يظلمهما معاً. ثم قال: أستطيع أن أعكس لك ما سمعت، لكن كلمة اذهبي أو ابقي يجب ألا أضعها في فمك.
لخص لها ما ظهر: رغبة حقيقية في الدراسة، تعلق بالأسرة، قدرة مالية تحتاج ضبطاً، وخطة رجوع ممكنة. لم يرتب هذه العناصر بدلاً منها. لم يطلب جلسة ثالثة، ولم يقل إن ترك التواصل يفسد الاستخارة. بهذا الامتناع حفظ لها شيئاً لم تكن تقدره في البداية: حقها في أن تكون صاحبة حياتها حتى وهي خائفة.
الشيخ المأمون لا يقيس نجاحه بعدد القرارات التي صنعتها كلمته. يساعد السائل على رؤية ما غاب، ويذكره بالله، ثم يتراجع خطوة. لا يدعي أن قربه من الدين يمنحه معرفة المستقبل، ولا يجعل اختلاف السائلة معه عصياناً. وقد تكون أصدق نصيحة يقدمها هي الاعتراف بأن القرار لا يخصه.
اختيار لا يلغي احتمال الندم
مشت مريم أياماً وهي تتمنى أن تختفي إحدى الورقتين. لم تختف. قرأت ما كتبته، راجعت الأرقام، صلت، واستشارت شخصاً يعرف البرنامج. ثم اختارت الذهاب مع ترتيب تجربة أولى وخطة واضحة للعودة إن تعذر الاستمرار. لم يكن القرار انتصاراً على الخوف؛ وقّعته ويداها باردتان.
بعد أسبوع سألت نفسها إن كانت أخطأت. جاءها الحنين قبل أن تسافر، وظهرت مصروفات لم تحسبها جيداً. عادت إلى التفاصيل وعدلت خطتها. لم تعتبر كل عائق علامة أن الاستخارة رُفضت، ولم تعتبر كل تيسير وعداً بالنجاح. كانت تتعامل مع الواقع وهو يتحرك، وتدعو الله أن يثبتها على الخير ويصرفها عنه إن ظهر لها ضرر.
لو اختارت البقاء، لظل المبدأ نفسه: قرارها لا تقل قيمته لأنه أقل جرأة في نظر الآخرين. الحرية هنا ليست تمجيد السفر، بل حفظ حقها في وزن حياتها. لا توجد خاتمة واحدة صالحة لكل شابة، ولا يستطيع مقال أو شيخ أن يعرف ما يلائم من لم يسمع ظروفها كاملة.
بعد أن نهضت من بين الورقتين
في صباح الرد، جمعت مريم الورقتين وطوتهما معاً. لم تعد إحداهما عدواً للأخرى. كل واحدة حملت خيراً محتملاً وكلفة محتملة. أرسلت قبولها، ثم أخبرت أسرتها أنها خائفة وسعيدة في الوقت نفسه. لم تمثل اليقين كي تطمئنهم، ولم تطلب منهم ضمان ألا تلومهم لاحقاً.
حافظت على صلاة الاستخارة في معناها الصحيح: طلب خير من الله مع حركة مسؤولة، لا انتظار شفرة. وكانت تقول حسبنا الله ونعم الوكيل حين يثقلها المستقبل، ثم تفتح قائمة ما يلزم إنجازه. الذكر لم يختر عنها السكن أو الميزانية، لكنه ردها من وهم السيطرة الكاملة إلى سكينة العمل بما تستطيع.
لم يتصل الشيخ ليسأل هل نفذت رأيه، لأنه لم يعطها رأياً ملزماً. وصلت منه رسالة قصيرة بالدعاء فقط، من غير متابعة تحمل ضغطاً. ابتسمت مريم وأغلقت الهاتف لتكمل أوراقها. الأثر الذي بقي لم يكن وجهة سفر، بل قدرتها على قول: اخترت بعد سؤال واستخارة، وقد أراجع اختياري إن تغيرت الحقائق.
كانت تخشى أن تحمل الندم وحدها، ثم فهمت أن المسؤولية لا تعني الوحدة. يمكن أن تستند إلى أهلها ومختصين وأصدقاء، وأن تعود إلى الله في خوفها، من غير أن تمنح أحداً توقيع حياتها. نهضت من بين الورقتين، لا لأنها عرفت المستقبل، بل لأنها قبلت أن تمشي إليه بعقلها وقلبها وحدودها.