كانت حقيبة نوال مفتوحة على طرف السرير، نصفها مرتب ونصفها الآخر ينتظر صباح الرحيل. طوت ثوباً، ثم جلست فوق الغطاء وفي يدها ورقة عليها موعد اقترحه شخص قيل لها إنه شيخ روحاني في مراكش. الموعد بعد ساعات، والعودة في اليوم التالي. قالت لها أختها: إن لم تذهبي الآن فقد لا تتاح لك فرصة أخرى.
نوال اسم مستعار، وهذه قصة مركبة من أحوال إنسانية يتداخل فيها الحداد وضيق السفر والحاجة إلى من يسمع، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. مراكش هنا مكان زيارة عائلية فقط. لا تنسب الحكاية إلى المدينة أو أهلها عادة خاصة ولا معرفة روحانية ولا أسلوباً في الاستقبال.
مضى على وفاة زوج نوال وقت لم يعد فيه الناس يسألونها كل يوم كيف حالها، بينما بقيت هي تستيقظ أحياناً وتتهيأ لتخبره بشيء. جاءت إلى أختها لتخرج قليلاً من البيت الذي حفظ تفاصيل الغياب. لم تكن تريد حلاً عجيباً. أرادت أن تقول بصوت مسموع إن الحزن تغير ولم ينته، وإنها تخجل من بعض الأفكار التي تزورها حين يطول المساء.
موعد صار أكبر من الزيارة
سمعت الأخت باسم رجل من معرفة بعيدة، وقيل إنه يستقبل الناس ويقرأ معهم ويدعو. لم يكن الاقتراح سيئاً في ذاته. الذي أثقل نوال هو العبارة التالية: «اليوم فقط، لأنه لن يكون متاحاً غداً». فجأة صار أمامها باب يوشك أن يغلق، وصار عليها أن تقرر وهي لم تعرف بعد من الرجل، ومن سيكون حاضراً، وماذا يُنتظر منها أن تقول.
كتبت على الورقة أسئلة بسيطة: هل اللقاء منفرد؟ هل يمكن أن تأتي أختي معي؟ هل سأدفع شيئاً؟ هل يلزمني أن أحكي تفاصيل زواجي؟ ثم شعرت بالخجل من الأسئلة. خافت أن تبدو شكاكة أو ثقيلة، خصوصاً أنها ضيفة ومسافرة، وأن أختها بذلت جهداً في ترتيب الأمر.
الاستعجال يفعل شيئاً خفياً بالقلب. يجعل الرفض يبدو خسارة، والسؤال يبدو تعطيلًا، والصمت يبدو أدباً. لكن الأدب لا يطلب من الإنسان أن يسلّم ستره لمن لم يعرفه. وكون نوال ستغادر قريباً لا يجعل حاجتها أقل حرمة، ولا يجعل الموعد الذي يناسب غيرها مناسباً لها.
تذكرت نوال مواعيد كثيرة قبل هذه الزيارة: أوراقاً كان يجب أن تنهيها، وزيارات عزاء جلست فيها حتى تعبت، وأياماً قيل لها فيها إن عليها أن تتجاوز لأنها امرأة قوية. أدركت أن الساعة ليست بريئة دائماً؛ فقد يستعملها الناس ليدفعوا الحزين إلى إيقاعهم هم. احتاجت هذه المرة أن يكون بطؤها محترماً، لا أن تقدم تفسيراً طويلاً له.
سألت أختها عمن زكّى الرجل فعلاً، لا عمن أعاد إرسال اسمه. لم يكن القصد جمع مدائح، بل معرفة شيء عن سيرته عند الرفض: هل يضيق بمن يؤجل؟ هل يوضح حدود ما يقدمه؟ هل يحيل إلى مختص حين يخرج الأمر عن قدرته؟ هذه الأسئلة لم تمنحها يقيناً كاملاً، لكنها نقلتها من خوف الفرصة الضائعة إلى اختيار واعٍ.
الحداد لا يحب الأبواب الضيقة
قبل أن تغلق الحقيبة، حاولت نوال أن ترتب ما ستقوله. بدأت بجملة عن الأرق، ثم انتقلت في ذهنها إلى خلاف قديم مع زوجها الراحل. هناك توقفت. لم تحك ذلك لأختها نفسها. هل تقوله لرجل غريب لأنها قد لا تراه ثانية؟ شعرت بانقباض، ثم لامت نفسها: ربما يكون هذا هو الكلام الذي يجب إخراجه كي ترتاح.
الحزن بعد الفقد يحمل تناقضات لا تليق بها الإجابات المستعجلة. قد يشتاق المرء إلى من رحل ويغضب منه في الذاكرة، وقد يحمد الله على ما كان ثم يبكي ما لم يكتمل. هذه المشاعر لا تعني ضعف الإيمان، ولا تحتاج إلى شخص يحول كل وجع إلى تشخيص غيبي. أحياناً تحتاج إلى وقت، وإلى صحبة مأمونة، وربما إلى مختص في الحزن إذا طال الألم وأعاق النوم والحياة.
قالت نوال لأختها بصوت منخفض: «لا أعرف إن كنت أريد أن أتكلم». لم تجب الأخت فوراً. كانت قد ظنت أن ترتيب الموعد خدمة كاملة، ثم رأت أن أختها تمسك الورقة كما يمسك المرء شيئاً ثقيلاً. جلست بجوارها وقالت: «إذن لا نذهب قبل أن نعرف أكثر».
أربعة أسئلة أعادت إليها صوتها
اتصلت الأخت بالشخص الذي نقل الموعد، وطلبت وسيلة مباشرة للسؤال. حين تم التواصل، لم تبدأ نوال بحكايتها. سألت إن كان يمكن تأجيل اللقاء إلى زيارة أخرى، وإن كانت أختها تستطيع الحضور، وإن كان المطلوب قراءة ودعاء فقط، وإن كان هناك مقابل معروف قبل الجلسة. تركت سؤالاً خامساً في قلبها: هل سيحترم ترددي؟
جاء الجواب هادئاً: يمكن التأجيل، ولا يلزمها أن تحكي ما لا تريد، وحضور أختها مقبول. لم يسألها الرجل عن اسم أمها ولا عن صورة زوجها الراحل، ولم يقل إن التأخير يضيّع علاجاً أو يفتح باب ضرر. قال إن كانت تريد حديثاً عاماً الآن فليكن، وإن لم تطمئن فعودتها إلى بيتها أولى من جلسة تدخلها مكرهة.
لم تكن قيمة الجواب في جمال عبارته، بل في أنه لم يعاقبها على التمهل. الشيخ المأمون لا يصنع من ضيق موعدك حجة عليك. لا يوهم الأرملة أن حزنها نافذة لا تفتح إلا عنده، ولا يطلب سرها ليبرهن أنه قادر. يقبل أن تسأل، وأن تصطحب من تثق به، وأن تقول: ليس اليوم.
جلسة قصيرة بلا اقتحام
اختارت نوال حديثاً قصيراً بحضور أختها، لا الجلسة التي تخيلتها أول الأمر. قالت إنها ما زالت تتعب من الغياب، ثم سكتت. لم يملأ الرجل صمتها بتخمينات. سألها إن كان نومها وطعامها وحياتها اليومية بخير، ونبهها إلى أن طلب مساندة نفسية عند استمرار الأرق لا يناقض الدعاء ولا الصبر.
قرأ معها الفاتحة وما تيسر من المعوذات، ودعا للميت بالرحمة ولها بالسكينة والثبات. لم يجعل القراءة وصفة لإنهاء الحزن. قال إن الذكر قد يمنح القلب موضعاً يستند إليه حين تضطرب الذكريات، وإن الصلاة ليست امتحاناً ينجح فيه الحزين إذا توقف بكاؤه. قد يبكي بعد الدعاء، ويبقى دعاؤه عبادة وقرباً.
حين اقترب الكلام من الخلاف القديم، قالت نوال: «هذا لا أريد فتحه الآن». أومأ الرجل وانتقل إلى سؤال آخر. هذه اللحظة الصغيرة كانت أثقل عندها من النصائح كلها. قالت لا، ولم تنكسر الجلسة. لم يغضب أحد، ولم يتهمها أحد بأنها تخفي سبب تعبها.
الستر ليس كتماناً يؤذيك
في طريق العودة إلى غرفة الضيوف، سألت نوال أختها إن كان الاحتفاظ ببعض الكلام هروباً. قالت الأخت إنها لا تعرف، لكنها تستطيع أن تسمع حين تريد نوال. الفرق كبير بين سر يلتهم الإنسان لأنه يخاف طلب العون، وبين خصوصية يختار صاحبها وقت كشفها ولمن يكشفها.
إذا كان في الماضي أذى ما زال يهددك، أو حق يحتاج إلى حماية، فلا تحملي الأمر وحدك باسم الستر. اطلبي مساعدة مناسبة من شخص موثوق أو مختص. أما الحكايات الحميمة التي لا يترتب على صمتها خطر، فمن حقك أن تتأنّي فيها. لا يحتاج الناصح الأمين إلى كل تفاصيل حياتك كي يدعو لك أو يذكرك بالله.
في تلك الليلة قالت نوال «حسبي الله ونعم الوكيل» مرات قليلة، لا لتطرد ذكرى زوجها ولا لتضمن نوماً بلا أحلام، بل لتضع عجزها بين يدي الله. ثم أخبرت أختها أنها قد تبحث عند عودتها عن مجموعة مساندة أو معالجة تفهم الحداد. جمعت بين الذكر والسبب من غير خصومة بينهما.
موعد العودة لم يعد سوطاً
في الصباح أغلقت نوال الحقيبة. بقيت الورقة فوق الطاولة، لكنها شطبت منها عبارة «الفرصة الأخيرة». لم يتغير موعد سفرها، ولم ينته الحزن، ولم تحصل على تفسير يختصر ما في قلبها. الذي تغير أنها لم تعد ترى الوقت عدواً يقرر عنها.
قبل الرحيل شكرت أختها على أنها توقفت حين رأت خوفها. واتفقا أن المكالمة المقبلة لن تكون للاطمئنان السريع فقط؛ ستترك كل واحدة مساحة للأخرى كي تقول ما تستطيع. بدا الاتفاق عادياً، لكنه خفف عن نوال شعوراً قديماً بأنها يجب أن تبدو قوية حتى لا تثقل على من تحب.
يا أختي، السفر لا يسقط حقك في السؤال، والحداد لا يوجب عليك أن تفتحي كل أبوابك في ساعة. الناصح الذي يردك إلى الله سيحترم حريتك، ويذكرك بالصلاة والدعاء، ويقبل أن تأخذي بالأسباب المناسبة في وقتك. وعندما تحركت سيارة العودة، لم تحمل نوال وعداً بمعجزة. حملت جملة أوضح: أستطيع أن أطلب العون من دون أن أسلّم مفاتيح قلبي.