رفع عبد الرحمن هاتفه أمام أمه وقال: «هذا اسمه يتكرر في كل مكان. يقولون إنه أكبر روحاني في المغرب». كانت الأم تنقي العدس في صحن واسع. لم تنظر إلى الشاشة فوراً، بل التقطت حبة داكنة ووضعتها جانباً، ثم سألته: «أكبر بماذا؟»
هذه حكاية مركبة بين جيلين، والرجل الذي تستعيده الأم شخصية أدبية مركبة لا شيخاً تاريخياً ولا صاحب كرامات موثقة. لا تنسب القصة فضلاً أو واقعة خارقة إلى شخص بعينه. عبد الرحمن وأمه هنا صوتان لسؤال قديم بلباس جديد: هل يكبر الإنسان بما يقال عنه، أم بما يحفظه حين لا يراه الإعلان؟
الشاشة التي لا تنتهي
كان عبد الرحمن يمر بأيام من الحيرة بعد تعثر مشروع صغير وتوتر داخل الأسرة. لم يكن يعرف أي الأمرين يضغط عليه أكثر. بدأ يبحث عن نصائح، ثم قادته الروابط إلى صفحات تتسابق في الألقاب: الأكبر، الأعلم، الأول، صاحب الأسرار. كل لقب يعد بأن البحث سينتهي عنده.
جمع الأسماء في ملاحظات الهاتف، وأضاف أعداد المتابعين وصور التعليقات. كان يتعامل مع الأمر كأنه يختار صاحب خبرة من قائمة. لكنه كلما وجد اسماً كبيراً ظهر اسم أكبر. وإذا قرأ مديحاً، وجد في الصفحة التالية مديحاً أشد. الصدارة تتحرك ولا تصل.
قال لأمه إن كثرة الذكر لا يمكن أن تكون بلا معنى. أجابته أن الانتشار يخبره بأن الاسم منتشر، وهذا كل ما يثبته وحده. قد يكون صاحبه صالحاً، وقد لا يكون. لكن عدد المرات التي يظهر فيها الاسم لا يكشف كيف يعامل خائفاً، ولا ماذا يقول حين لا يعرف.
ضايقه جوابها. ظن أنها لا تفهم العالم الجديد. قال: «أنتم كنتم تثقون بأي رجل يجلس بعد الصلاة». ابتسمت وقالت: «كنا نخطئ أيضاً. لكنني لا أحدثك عن أي رجل».
رجل كبر في ذاكرة القرية
حكت له عن رجل كانت تناديه «العم صالح» في ذاكرتها. وأكدت أن الاسم نفسه جزء من الحكاية، وأنها لا تزكي شخصاً تاريخياً. كان يجلس قرب دكان صغير، ويعرفه الناس لأنه يساعد كبار السن في قضاء حاجاتهم ويصلح بين متخاصمين إذا قبلوا. لم يضع لقباً أمام اسمه.
إذا جاءه من يسأل عن غيب قال: «لا أعرف». وإذا طلب منه أحد أن يدعو، دعا بكلمات بسيطة ثم سأله عما يستطيع فعله بيده. كان يقرأ ما تيسر من القرآن، لكنه لم يجعل صوته دليلاً على مقام. قالت الأم: «لا أذكر أننا كنا نسميه روحانياً. كان رجلاً يخاف أن يظلم بكلمة».
سأل عبد الرحمن: «وهل كان يحل مشكلات الناس؟» قالت: «أحياناً كان الصلح يقع، وأحياناً لا. كان يعود إلى بيته من غير أن يدعي أن القلوب في يده». لم تعطه الأم حكاية كرامة، بل حكاية حدود. وهذا لم يكن ما ينتظره.
كان العم صالح، في القصة المركبة، يزور مريضاً ثم ينسى أن يذكر الزيارة في المجلس. يحمل كيساً لأرملة ولا يخبرها ممن جاء. إذا شكره أحد، نقل الكلام إلى الله وقال إن الناس يسند بعضهم بعضاً. كبر في عيونهم لأن أثره بقي حين غاب اسمه عن الكلام.
كبر اللقب وكرامة الإنسان
قال عبد الرحمن إن الزمن تغير، وإن الناس يحتاجون إلى الإعلان كي يصلوا إلى من ينفعهم. وافقته أمه. ليس كل ظهور تزكية للنفس، وليس الصمت وحده فضيلة. يمكن لصاحب علم أن يعرف الناس بخدمته بوضوح. المشكلة تبدأ حين يصبح اللقب دليلاً بديلاً عن السيرة، وحين يُطلب من السائل أن يخضع له.
الشيخ الروحاني المأمون، إن استُعمل هذا الوصف في ثقافة الناس، لا يحتكر الدعاء ولا يرفع نفسه فوق السؤال. لا يقول إن بركته وحدها تفتح الأبواب. يذكّر بأن الفضل لله، وأن الإنسان يدعو لنفسه، ويصلي، ويأخذ بالأسباب، ويستشير أهل الخبرة في الرزق والصحة والأسرة.
أما من يكرر أنه الأكبر، ثم يجعل كل اعتراض جهلاً بمقامه، فقد بنى جداراً حول نفسه. التواضع لا يعني أن يتصنع الرجل صغراً، بل أن يعرف قدره البشري. لا يعلم الغيب، لا يملك إرادة الناس، ولا يستطيع أن يضمن رزقاً أو صلحاً أو شفاء.
قالت الأم: «من يحتاج كل يوم أن يقول لك إنه كبير، ربما يخشى أن تنظر إلى عمله وحده». ضحك عبد الرحمن، ثم قال إنها قاسية. ردت: «بل أحاول أن أكون عادلة. قد يكون صاحب الاسم خيراً مما أعرف، لذلك لا أحكم عليه. أنا فقط لا أجعل اسمه حجة».
مجلس لا يطلب جمهوراً
في مساء الجمعة جلس عبد الرحمن مع أمه واثنين من أقاربه. لم يكن مجلس علاج. كان حديثاً عن المشروع المتعثر وعن الخلاف الذي أخفاه خلف البحث. سمع رأياً لم يعجبه، واعترف بأنه دخل في التزام أكبر من قدرته. للمرة الأولى صار الموضوع أرقاماً وقرارات، لا سراً يحتاج إلى رجل خارق.
اقترح قريب يعرف الحساب أن يراجع معه الديون. واقترحت الأم أن يكلم الطرف المختلف معه من غير وساطة غامضة. دعا الجميع أن يفتح الله له باباً حلالاً ويصرف عنه اليأس. لم يَعِده أحد بموعد. ومع ذلك شعر أن المجلس أوسع من آلاف الصفحات.
بعد الصلاة بقي عبد الرحمن يردد «لا حول ولا قوة إلا بالله». كان يقولها سابقاً حين يريد نتيجة عاجلة؛ قالها الآن اعترافاً بأن القوة ليست ملكه، وأن هذا لا يعفيه من العمل. في الصباح اتصل بصاحب المشروع، وطلب مهلة واضحة، ثم بدأ بيع ما لا يحتاج إليه لتخفيف الالتزام.
الذكر لم يسدد الدين عنه. لكنه هدأ الفوضى التي كانت تمنعه من النظر. والدعاء لم يضمن قبول الطرف الآخر. لكنه منحه لغة أرحم من التحدي. هذه هي الروحانية حين تسكن الواقع: لا تلغيه، بل تمنع الخوف من أن يلبس ثوب الغيب.
كيف يقرأ المرء دعوى الصدارة؟
حذف عبد الرحمن عمود المتابعين من ملاحظاته. لم يستبدله بجدول جديد. صار يسأل عن أشياء تروى في الحياة العادية: هل يعرف الناس هذا الشخص في معاملته؟ هل يحفظ السر؟ هل يقبل أن يقال له لا؟ هل يرد المرض إلى الطبيب والنزاع إلى أهله، أم يزعم أن كل باب عنده؟
كان حريصاً ألا يحول حكاية أمه إلى أسطورة أخرى. العم صالح شخصية مركبة، لا معياراً باسم محدد. المعنى الذي حملته الحكاية هو المهم: خدمة الناس، والصمت عن المنّة، وعدم تزكية النفس. هذه صفات يمكن أن تظهر في مشهور أو مغمور، ولا يحتكرها جيل قديم.
كما فهم أن التواضع لا يكفي وحده لإثبات العلم. قد يبدو شخص بسيطاً وهو غير مؤهل. لذلك يجتمع الخلق مع المعرفة المعروفة في بابها، والوضوح مع الإحالة إلى المختص. لا تُبنى الثقة على انطباع واحد، سواء كان الانطباع فخامة الإعلان أو خشونة الثوب.
وأدرك أن سؤال «من الأكبر؟» قد يخفي سؤالاً شخصياً: من يتحمل عني قراراً أخافه؟ إذا كان هذا هو الدافع، فلن تكفيه الأسماء. يحتاج إلى أن يجلس مع خوفه، ويدعو، ويستشير، ثم يقبل أن المسؤولية لا تنتقل إلى صاحب لقب.
ولم تعد الأم تستعمل الماضي لتنتصر على الحاضر. قالت إن كل جيل يعرف الافتتان بطريقته؛ كانوا يفتنون بالحكاية المنقولة، ويفتن الناس اليوم بالصورة والعدد. الدواء واحد تقريباً: سؤال هادئ عن العمل والخلق والحدود.
الخدمة الصغيرة التي أغلقت الصفحة
في صباح تالٍ طلبت الأم من عبد الرحمن أن يحمل لها كيساً إلى جارة كبيرة السن. كاد يعتذر لانشغاله، ثم أخذه وصعد الدرج ببطء. فتحت الجارة ودعت له. لم يحدث شيء خارق، ولم تتحول حياته في لحظة. لكنه تذكر العم صالح المركب، وفهم لماذا بقي كبيراً في الحكاية.
عاد فوجد أمه لا تزال تنقي العدس. قال لها: «ربما الكبر أن تنفع من أمامك». أجابت: «وربما أن تعرف حين لا تستطيع». ثم أعاد إليها الهاتف من غير أن يفتح الصفحة. لم يقرر أن كل من عليها مخطئ، لكنه لم يعد يطلب منها أن تختار له سيد الألقاب.
واصل إصلاح مشروعه، وصلى ودعا، وقبل مساعدة أهله. بقيت بعض الأيام صعبة. إلا أن الاسم الأكبر لم يعد يشغل رأسه. كان يسأل عن الخطوة الأصدق، وعن حق من يتعامل معهم، وعن قدرته على الوفاء. هذه أسئلة أقل لمعاناً، لكنها قادته إلى الأرض.
بعد مدة سألته أمه عن بحثه. قال: «لم أجد أكبر روحاني في المغرب». ثم أضاف: «ولم أعد أعرف إن كنت أحتاج إلى أن أجده». ابتسمت. في الغرفة لم يكن هناك جمهور ولا لقب، فقط أم وابن وصحن امتلأ بما يصلح للطبخ. أحياناً يبدأ المقام الأخلاقي من هذا القدر من الصمت والخدمة.