واتساباحسن شيخ مغربي: حين لا يكون الرجاء سلعة | الشيخ الروحاني
احسن شيخ مغربي: قراءة في طرق التقييم
حكاية أمينة، وهي شخصية مركبة، حين دفعها الفقد إلى البحث عمن يعيد إليها اليقين، ثم تعلمت أن الشيخ المأمون لا يبيع الرجاء ولا يحبس الحزين بعيداً عن أهله وطبيبه.
ظل فنجان الشاي أمام أمينة حتى برد. كانت أختها تجمع الأطباق بعد غداء عائلي قصير، بينما بقي المقعد الذي اعتادت أن تراه مشغولاً فارغاً على نحو يؤلم العين. مر على الفراق وقت، لكن الحزن لم يتعلم التقويم. في بعض الأيام كان يهدأ، وفي أيام أخرى يعود من رائحة أو كلمة عابرة كأنه وقع صباحاً.
قالت أختها: «لم تأكلي شيئاً». أجابت أمينة: «أنا بخير». ثم سكتت قليلاً وأضافت بصوت أخفض: «وجدت من يقولون إنه أحسن شيخ مغربي. ربما يعرف لماذا لا أستطيع أن أطمئن».
أمينة اسم اختير لهذه الحكاية. هذه قصة مركبة من أنماط متكررة في البحث عن العون الروحاني وقت الفقد أو الفراق، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. لا تصف معالجاً حقيقياً، ولا تدعي نتيجة موثقة أو كشفاً للغيب. غرضها الاقتراب من سؤال موجع: ماذا يفعل الحزن بنا حين نطلب من شخص آخر أن يعيد إلينا اليقين؟
قالت: أريد جواباً واحداً لا يتغير
لم تكن أمينة تبحث عن لقب لامع بقدر ما كانت تبحث عن جملة تسندها. هل سيعود ما فقدته؟ هل كان يمكنها منع الفراق؟ هل ما تشعر به ابتلاء عابر أم شيء لن ينتهي؟ كانت الأسئلة تزدحم، وكلما حاول أحد أن يقول لها «اصبري» شعرت أن الكلمة صحيحة، لكنها بعيدة عن جسدها المتعب.
فتحت صفحات كثيرة. بعض أصحابها يكثرون من الحديث عن الأسرار والقبول والنتائج، وبعضهم يضع صور الشكر كأن القلوب كلها تتعافى بالطريقة نفسها. توقفت عند رجل أجابها بسرعة. لم يسأل كيف تنام، ولا إن كانت تأكل، ولا من يجلس معها حين يشتد البكاء. قال فقط: «عندي لك اليقين».
تعلقت بالكلمة. من يلوم إنساناً حزيناً لأنه مد يده نحو وعد بالراحة؟ لكن الرحمة تقتضي أن نقول بهدوء إن اليقين ليس ملكاً لمعالج، وإن أحداً لا يملك أن يبيع للناس خبراً عن غدهم. يستطيع الناصح أن يصغي، وأن يدعو، وأن يدل على خير ظاهر. أما الغيب فليس باباً تجارياً.
قالت أمينة لأختها: «أنا لا أريد معجزة. أريد أن يتوقف رأسي عن طرح السؤال نفسه». ردت أختها: «إذن لا تذهبي إلى من يزيد السؤال ثم يبيعك الجواب».
باب يضيق كلما دخلته
في أول اتصال كان الرجل لطيفاً. طلب منها أن تتواصل معه وحده لأن أهلها «لن يفهموا حالتها». وحين ذكرت أنها تفكر في زيارة طبيب بسبب انقطاع النوم والخفقان، قال إن الطبيب سيعالج الظاهر ويعطل ما بدأه لها. لم يصرخ ولم يهدد. جاءت السيطرة في عبارات ناعمة، وهذا ما جعلها أصعب على الاكتشاف.
صارت تؤجل الحديث مع أختها. إذا رن الهاتف خرجت إلى غرفة أخرى. وكان كل سؤال منها يُجاب بسؤال يزيد تعلقها: هل رأيت حلماً؟ هل شعرت بثقل؟ هل تغير مزاجك بعد المكالمة؟ كل يوم عادي صار قابلاً لأن يتحول إلى علامة. وبعد مدة لم تعد أمينة تعرف إن كانت تستمع إلى نفسها أم تنتظر تفسير الرجل.
المعالج الروحاني المأمون لا يحتكر الحزين. لا يقول له اقطع أهلك كي تصدقني، ولا يمنعه من طبيب أو معالج نفسي، ولا يغضب إذا طلب وقتاً أو رفض طلباً. قبول كلمة «لا» ليس تفصيلاً صغيراً في أخلاق العلاج؛ هو دليل على أن كرامة الإنسان باقية في المجلس.
يا أختي، إذا وجدت نفسك تخفين كل شيء عن الذين يحبونك لأن شخصاً ادعى أن السر شرط للنجاة، فتوقفي قليلاً. السر الذي يحفظ الستر شيء، والعزلة التي تجعل صاحبها المتحكم الوحيد في خوفك شيء آخر. الصلاة والدعاء لا يحتاجان إلى قطع حبل الرحمة بينك وبين أهلك.
جلسة لم تعد فيها مضطرة إلى التمثيل
لم يحدث التحول في لحظة بطولية. في مساء هادئ، سألتها أختها مرة أخرى عن النوم. قالت أمينة الجملة المعتادة: «أفضل». ثم غلبها التعب وبكت. حكت عن الاتصالات، وعن خوفها من إيقافها، وعن خجلها لأنها صدقت أن شخصاً يستطيع ضمان السكينة.
لم تقل أختها: كيف فعلت هذا؟ جلست قربها، وتركتها تنهي الكلام. ذلك وحده خفف شيئاً من الحمل. اتفقتا على ألا تجيب أمينة وحدها، وعلى أن تراجع طبيباً لتطمئن إلى ما طال من اضطراب النوم والخفقان. لم يكن الذهاب إلى الطبيب تخلياً عن الإيمان. كان أخذاً بسبب ظاهر، مثلما يأكل المتعب ويستريح ويفتح نافذة الغرفة.
في اليوم التالي أرسلت أمينة أنها لا تريد الاستمرار. جاءها كلام طويل عن ضياع الفرصة، فلم تدخل في جدال. أغلقت الباب. لم تختف الأسئلة، لكنها لم تعد مضطرة إلى دفع ثمن لكل جواب جديد. نامت ساعات متقطعة تلك الليلة، واستيقظت مرة، ثم عادت إلى فراشها من غير أن تمسك الهاتف.
الشيخ الذي لم يقبل لقب «الأحسن»
بعد مدة، صحبتها قريبة لها إلى رجل معروف في محيطهم بحسن السيرة وهدوء المجلس. لم يقدم نفسه بوصفه أحسن شيخ، ولم يسألها عن أسرار لا تخدم الكلام. أنصت، ثم قال: «أنا لا أعيد مفقوداً ولا أملك قلبك. أستطيع أن أدعو معك، وأن أذكرك بما يعينك، وأنت حرة أن تتوقفي متى شئت».
سألته أمينة: «كيف أعرف أن ما أشعر به سيخف؟» قال: «لا أبيعك موعداً. الحزن يتبدل، والإنسان يأخذ بالأسباب يوماً بعد يوم. اطلبي من الله لطفاً يكفي يومك، ولا تحملي الغد كله الآن».
كان جوابه أقل إثارة من الوعود التي قرأتها، لكنه أراحها. لم يجعل نفسه محور الطريق. اقترح عليها ورداً يسيراً من الذكر تستطيع الاستمرار عليه من غير عد ولا طقوس غامضة، وأن تحافظ على الصلاة بقدر استطاعتها، وأن تدعو للفقيد أو لمن فارقها بما يليق بحالها، ثم تعود إلى حياتها ومسؤولياتها شيئاً فشيئاً. وإذا رغبت في رقية شرعية لنفسها، فلتقرأ ما تيسر من القرآن والأدعية المأثورة بلا خوف من أرقام سرية أو شروط مجهولة.
هكذا يبدو الفرق في القلب قبل أن يظهر في الإعلان: صاحب الأمانة يقربك من الله ولا يربطك بشخصه، يرحب بمساندة أهلك، ولا ينافس الطبيب، ولا يعدك بأن الألم سيزول في موعد يحدده هو.
الصبر ليس أن تبقى وحدك
كانت أمينة تفهم الصبر أول الأمر على أنه إخفاء البكاء. ثم عرفت أنه أوسع من ذلك. قد يكون الصبر أن تنهض لتأكل مع أسرتها وهي لا تشتهي، وأن تحضر موعداً طبياً، وأن تقول لصديقة مأمونة: اليوم ثقيل. وقد يكون أن تدعو من غير أن تشترط على الدعاء صورة بعينها للفرج.
الرجاء الصادق لا ينكر الألم، ولا يضع على كتف الحزين ذنباً جديداً إذا طال حزنه. يقول له: خذ نفساً، وصل ما استطعت، واذكر الله بما يلين قلبك، ودع الناس الذين يحبونك يقتربون. إذا صار الحزن يمنعك من النوم أو الطعام أو العمل مدة طويلة، فالمساندة النفسية والطبية رحمة، وليست حكماً على قوة إيمانك.
ومن يبحث عن «أحسن شيخ مغربي» قد لا يحتاج إلى ترتيب أسماء أصلاً. السؤال الأنفع: هل هذا الإنسان أمين على ضعفي؟ هل يسمح لي بالتفكير والرفض؟ هل يعيدني إلى أسرتي وأسباب علاجي، أم يريدني معلقة بصوته؟ هذه ليست قائمة درجات؛ إنها أسئلة تحفظ القلب من أن يتحول رجاؤه إلى سلعة.
لم تصبح حياة أمينة خفيفة فجأة، ولم تصر أيامها متشابهة في احتمالها. بقي المقعد فارغاً، وبقيت بعض الروائح تفتح باب الدمع. لكن شيئاً تغير: لم تعد تطلب من غريب أن يقرر لها متى تطمئن. صار لها دعاء تقوله صباحاً، وموعد تلتزم به، وأخت تعرف أنها لا تكون بخير كلما قالت «أنا بخير».
في أحد أيام الجمعة، وضعت أمينة فنجانين على الطاولة بدل فنجان واحد. جلست أختها قبالتها. تكلمتا قليلاً، ثم سكتتا. كان الحزن حاضراً، لكنه لم يعد صاحب الكلمة الوحيدة. رفعت أمينة يديها بدعاء قصير لم تسمعه أختها، ثم شربت الشاي قبل أن يبرد.
أسئلة بقيت معها
هل زيارة الطبيب أو المختص النفسي تناقض طلب العون الروحاني؟
لا. يمكن للإنسان أن يدعو ويذكر الله ويقرأ الرقية الشرعية لنفسه، وأن يراجع طبيباً أو مختصاً نفسياً في الوقت نفسه. من يمنعك من الرعاية المناسبة كي يحتفظ بك وحده لا يحفظ مصلحتك.
ما أول ما يطمئنني فيمن أستشيره روحانياً؟
أن يكون معروف السيرة والأمانة، وأن يتواضع عن ادعاء الغيب وضمان النتائج، ويحترم أهلك وحدودك وحقك في الرفض. الناصح المأمون لا يبيع الرجاء ولا يجعل استمرارك معه شرطاً لرحمة الله.