كانت مريم تمرر الصور بإبهامها أسرع مما تقرأ الكلام. مجلس واسع، رفوف كتب، تعليقات كثيرة، واسم يسبقه لقب كبير. كل حساب يقود إلى حساب آخر، وكل واحد يلمح إلى أنه أشهر وأعلم وأقرب إلى حل ما عجز عنه غيره. توقفت عند صورة رجل تحيط بها عبارات المديح، وقالت في نفسها: «هذا لا بد أن يكون هو».
لم تكن تبحث عن شهرة. كانت تبحث عن راحة لقلق صار يلاحقها في البيت والعمل، وعن تفسير لخصام قديم لم تعرف كيف تنهيه. مريم شخصية في قصة مركبة من أنماط متكررة في الانبهار بالألقاب والحضور الرقمي، وليست شهادة منسوبة إلى امرأة بعينها. لا ترتبط بشخص أو مكان محدد، ولا تدعي أن لقاءها الآتي واقعة موثقة.
حين صار العدد برهاناً
في البداية كانت مريم تعرف أن الصور قد تُنتقى، وأن التعليقات لا تخبرها بكل شيء. لكن تكرار المشهد أضعف شكها. إذا كان هذا العدد من الناس يتابعونه، فكيف يكون مخطئاً؟ وإذا كان اسمه يتكرر في مواقع كثيرة، أليس ذلك دليلاً على أنه «أكبر شيخ روحاني مغربي»؟ هكذا كانت تسأل، ثم تجيب نفسها قبل أن تسمع جواباً آخر.
أرسلت إلى أحد الحسابات وصفاً مختصراً. جاءها رد يطلب صورة واضحة وتفاصيل عائلية قبل أي حديث. ترددت. قيل لها إن الصورة ضرورية لمعرفة «الأمر كاملاً»، وإن التأخير قد يعقد الحالة. لم ترسلها فوراً، لكنها قضت ساعات تختار صورة لا يظهر فيها البيت. كان القلق قد نقل السؤال من «هل ينبغي أن أرسل؟» إلى «أي صورة أرسل؟» من غير أن تشعر.
أغلقت الهاتف حين دخلت أختها، كأنها تخفي خطأ وقع بالفعل. ثقل السر سبق الفعل. وفي المساء أعادت فتح الحساب، فوجدت صوراً جديدة وتعليقات تمدح سرعة الإجابة. عاد إليها ذلك الإحساس الصغير بأنها الوحيدة المترددة، وأن الناس كلهم عرفوا الطريق إلا هي.
العدد يضغط على النفس، لكنه لا يكشف الأمانة. قد يكون بعض المتابعين صادقين، وقد تكون بعض التعليقات حقيقية، ومع ذلك لا يثبت هذا أن صاحب الحساب يعلم الغيب أو يقدر على ضمان الحل. الحضور الكبير يخبرك أن الاسم منتشر. لا يخبرك كيف يتصرف الرجل حين يأتمنه إنسان خائف على ستره.
باب عادي ورجل لا يعلن عن نفسه
قبل أن ترسل الصورة، ذكرت مريم الأمر لعمتها. لم تسخر العمة من خوفها. قالت إن في محيط الأسرة رجلاً مسناً يلجأ إليه الناس للسؤال والدعاء والمشورة، وإنه معروف منذ سنين ولا يضع لنفسه ألقاباً. ذهبتا إليه معاً في وقت قصير، لا طلباً لـ«كشف»، بل لتسمع مريم رأياً لا يأتيها من شاشة.
كان المكان عادياً إلى درجة أربكتها. لا صور معلقة لصاحب المجلس، ولا شهادات مديح. حكت مريم أنها وجدت شيخاً كبير الاسم، وأنه طلب صورتها وبعض التفاصيل. لم يسألها الشيخ المسن عن اسم الحساب. قال: «لا ترسلي لي صورتك أنا أيضاً. حاجتك إلى الطمأنينة لا تسقط حقك في الستر».
سألته: «لكن كيف تعرف حالتي؟» أجاب: «لا أعرف الغيب، ولا أحتاج إلى ادعائه كي أقول لك ما ينفعك من ذكر ودعاء ونصيحة. إن كان عندك قلق طال وأتعب جسدك فراجعي طبيباً أو مختصاً. وإن كان بينك وبين أحد خصام فابحثي عن كلام صادق أو وسيط مأمون. أما الصورة فلن تجعلني أملك ما لا أملك».
«كبر الاسم لا يساوي كبر الأمانة. وقد يكون أصدق ما يقوله الشيخ للناس: لا أعلم».
ارتاحت. لم تكن الراحة جواباً، بل زوال ضغط لم تنتبه إلى ثقله.
بكت مريم قليلاً، لا لأن الرجل أخبرها بسر، بل لأنه لم يطلب منها سراً. كانت قد استعدت لأسئلة كثيرة، فإذا به يخفف عنها عبء إثبات ألمها. قال لها أن تقرأ ما تيسر من القرآن، وتحافظ على أذكارها وصلاتها، وتدعو الله أن يكشف عنها الضر ويحفظ قلبها من التعلق بالخلق. لم يعدها بموعد لانتهاء القلق.
قبل أن تغادر، قالت العمة إنها توقعت منه كلاماً أطول. ضحك وقال: «إذا كان الكلام القليل يكفي، فلا حاجة لأن أجعل الناس محتاجين إلى مجلسي». بقيت الجملة مع مريم أكثر من أي صورة رأتها.
الستر أوسع من إعدادات الهاتف
حذفت مريم الصورة التي أعدتها للإرسال، ثم توقفت. أدركت أن الحكاية ليست تقنية فقط. نعم، من الحكمة ألا تعطي صورها ووثائقها وتفاصيل بيتها لمن لا تعرفه، وأن تتحقق ممن تخاطبه. لكن الستر في معناه الروحي أوسع: ألا يحول أحد ضعفها إلى مادة لسلطته، وألا تُجبر على كشف ما لا يلزم كي تُقبل معاناتها.
الأمانة تظهر في السؤال الذي يمتنع الإنسان عن طرحه، كما تظهر في السر الذي يحفظه. الشيخ المأمون لا يتلذذ بالتفاصيل، ولا يوهم السائل أن كثرة الاعترافات ثمن للوصول إلى رحمة الله. قد يحتاج الطبيب أو المستشار إلى معلومات تخص عمله، ويشرح لماذا يحتاجها وكيف تُحفظ. أما الطلب الغامض الذي يتسع كلما ترددت فلا تمنحه قداسة لمجرد أن صاحبه يستخدم كلمات دينية.
تذكّر يا من تقرأ: من حقك أن تسأل لماذا تُطلب المعلومة، وأن ترفض، وأن تصطحب شخصاً مأموناً، وأن تنهي الحديث إذا ضاق صدرك. هذه الحقوق لا تناقض التوكل. الأخذ بالأسباب جزء من الأمانة مع النفس، كما أن الدعاء ليس أمراً بتعطيل العقل.
ومع ذلك، لم تجعل مريم كل شخص موضع اتهام. التثبت غير سوء الظن الدائم. بدأت تسأل عن السيرة خارج صفحة صاحبها: من يعرفه في الحياة العادية؟ هل يقبل أن يُسأل؟ هل يحترم من يختلف معه؟ هل يزعم أن عدم الاستجابة له يوقع ضرراً؟ لم تكن تبحث عن ملف كامل، بل عن قدر معقول من المعرفة يخرجها من سطوة الصورة.
حين راجعت الحساب القديم، رأت أن كثرة الألقاب كانت تزكية متكررة للنفس. كل منشور يقول بطريقة ما: أنا الأعلم، أنا الأسرع، أنا الذي لا يعجزه شيء. تذكرت هدوء الشيخ المسن وهو يقول «لا أعلم». لأول مرة بدا لها الاعتراف بالحدود علامة قوة لا نقصاً.
ما بقي بعد سقوط الصورة
لم تختفِ مشكلة مريم بمجرد أن امتنعت عن الإرسال. ظل الخصام قائماً، وظل القلق يوقظها أحياناً. لكنها توقفت عن انتظار شخص يقرأ صورتها ويعيد ترتيب حياتها. تحدثت إلى من كان بينها وبينه خلاف، ولم ينجح الحوار من أول مرة. ثم قبل الطرفان وساطة شخص يعرفانه. في الوقت نفسه، حجزت موعداً مع مختصة لأن التوتر بدأ يظهر في نومها وجسدها.
كان لها ركن صغير بعد الفجر تجلس فيه دقائق. تقرأ أذكار الصباح وتدعو: اللهم استرني بسترك، واهدني إلى الصواب، ولا تجعل حاجتي باباً لتعلقي بمن لا يملك لي نفعاً ولا ضراً إلا بإذنك. لم تكن تقيس قبول الدعاء بسرعة تغير الآخرين. كانت تخرج من جلستها أهدأ، ثم تفعل ما عليها.
الرقية الشرعية للنفس، حين اختارتها، كانت قراءة للفاتحة وما تيسر من القرآن ودعاء بلا استعراض. لم تحتج إلى صورة ولا إلى كشف تفاصيل. وحين اشتد القلق، لم تقل إن طلب المساعدة الطبية ضعف في الإيمان. الشيخ نفسه كان قد فتح لها البابين من غير تنازع: قلب يتوجه إلى الله، وعقل يأخذ بالسبب المناسب.
بعد مدة ظهر لها حساب آخر يحمل لقباً أكبر وصوراً أكثر. توقفت عنده لحظة. لم تعد الأرقام بلا تأثير؛ الانبهار لا يزول بأمر واحد. لكنها سألت هذه المرة: ماذا أعرف عن أمانة هذا الإنسان عندما لا تكون الكاميرا أمامه؟ لم تجد جواباً، فمضت.
عادت إلى البيت ووجدت عمتها تسقي نباتاً قرب النافذة. قالت لها: «كنت أظن أن الشيخ الكبير هو من يعرف كل شيء». أجابت العمة: «وربما الكبير هو من يخاف الله في ما لا يعرف». لم تكن العبارة حلاً لمشكلتها، لكنها صارت ميزاناً تحمله معها.
أسئلة لا تجيب عنها الصور
هل كثرة المتابعين والصور دليل على أن الشيخ مأمون؟
لا تكفي وحدها. الانتشار قد يكون حقيقياً، لكنه لا يثبت العلم أو الأمانة ولا يبرر ادعاء الغيب. اسأل عن سيرة معروفة خارج الحساب، وراقب احترام الحدود والستر ورفض الوعود المضمونة، ولا تجعل العدد بديلاً عن التثبت.
هل يحق لي رفض إرسال صورتي أو تفاصيل شخصية؟
نعم. يمكنك رفض أي طلب لا تفهم ضرورته، وإنهاء التواصل من دون شعور بالذنب. اطلب تفسيراً واضحاً، واستشر شخصاً تثق به، ولا ترسل صوراً أو أسراراً إلى مجهول. حافظ مع ذلك على الصلاة والدعاء، واطلب مساعدة طبية أو نفسية أو أسرية عندما تحتاجها.