قال سمير لنفسه وهو يحذف رقماً من هاتفه: «هذا لم يكن قوياً بما يكفي». لم يقل إن الوعد كان كاذباً، ولا إن طلبه نفسه قد يكون ظالماً. اختار التفسير الذي يسمح له بالمحاولة مرة أخرى: هناك شيخ أقوى في مكان ما، وإذا وصل إليه ستتغير القصة كلها.
سمير شخصية مركبة من أنماط متكررة في مطاردة وعود القوة الروحية، وليست حكايته شهادة عن شخص بعينه. لا تنسب القصة إلى مدينة أو معالج محدد، ولا تقدم ما جرى كواقعة موثقة. لكنها تقترب من سؤال يعرفه كل من استنزفه الفشل: لماذا نبحث عن قوة أكبر كلما فقدنا السيطرة؟
صوتان في رأس واحد
بدأ الأمر بعد قطيعة مؤلمة. كان سمير مقتنعاً بأنه ظُلم، ومع ذلك كان يعرف، في زاوية لا يحب النظر إليها، أنه قال كلاماً جارحاً ورفض كل محاولة للتهدئة. حين ابتعد الطرف الآخر، لم يحتمل فكرة أن القرار لم يعد بيده.
كان في داخله صوت يقول: «اعتذر واترك مساحة». وصوت آخر يرد: «إذا اعتذرت ستبدو ضعيفاً». الثاني كان أعلى، لأنه يعده باسترداد كرامته سريعاً. بحث عن «أقوى شيخ روحاني مغربي»، ثم صار يضيف كلمات أشد كلما فشل وعد. لم يعد يريد إصلاحاً فقط؛ أراد أن يعود الآخر نادماً، وأن يعرف الجميع أنه لم يُهزم.
في المرة الأولى قيل له إن المسألة يسيرة. حين لم يحدث ما انتظره، قيل إن هناك عائقاً. في المرة التالية ظهر تفسير جديد: من سبق أفسد الأمر، ولذلك يلزم عمل «أقوى». وكل فشل لم يكن نهاية الادعاء، بل إعلاناً عن درجة أعلى من القوة. كأن السلم لا ينتهي.
ليلاً، كان سمير يجادل نفسه: «ربما بقي شخص واحد لم أجربه». ثم يسأل: «وإذا فشل؟» فيأتي الجواب سريعاً: «أبحث عن أقوى منه». لم ينتبه إلى أن السؤال صار سجناً. فاللقب الذي لا يمكن قياسه لا يمكن أن يخسر؛ صاحب الوعد يلوم منافسه أو السائل أو الوقت، ثم يفتح باباً جديداً للدفع والتعلق.
قوة تعده بإذلال غيره
تغيرت رغبة سمير على مهل. في البداية كان يقول إنه يريد الصلح. بعد ذلك صار يتخيل مشهد اعتذار الطرف الآخر أمامه. ثم تمنى أن يشعر الآخر ببعض ما شعر به. لم يستيقظ ذات صباح إنساناً منتقماً؛ الخوف والجرح دفعاه خطوة صغيرة بعد أخرى، وكل مدعٍ للقوة منح غضبه لغة تبدو مهيبة.
هنا ينبغي أن نقف بلا قسوة. الجرح يفسر الانتقام، لكنه لا يطهره. من حقك أن تحزن وأن تطلب العدل، ومن حقك أن تضع حدوداً تحميك. أما تحويل الروحانية إلى وعد بإخضاع قلب أو كسر إرادة، فهو يزيد الجرح جرحاً. الدين لا يصبح ستاراً لرغبتنا في رؤية شخص آخر ذليلاً.
سأل سمير نفسه مرة: «إذا عاد مكرهاً، هل يكون هذا صلحاً؟» لم يحب السؤال. الصلح يحتاج إلى إرادتين، وإلى قدر من الصدق يسمح لكل طرف أن يقول نعم أو لا. القوة التي تلغي ذلك قد ترضي الخيال لحظة، لكنها لا تبني بيتاً ولا تعيد ثقة.
القوة التي تحتاج إلى خوف إنسان آخر كي تثبت نفسها ليست سكينة، بل قلق لبس ثوباً ثقيلاً.
بدأ يفهم لماذا كان كل إعلان يعده بالقوة يثيره ثم يتركه أكثر ضعفاً. كان يمنحه صورة منتصرة، لكنه يسلبه القدرة على الانتظار والاعتراف والقبول. وحين يتأخر الوعد، يتضاعف غضبه على نفسه وعلى من ابتعد عنه.
«لا حول ولا قوة إلا بالله» خارج الإعلان
سمع سمير الحوقلة منذ طفولته. كان يرددها حين يفزع أو يتعب، ثم مرّ زمن صارت فيه على لسانه عادة سريعة. ذات يوم جلس مع رجل من أهل المعرفة عرفه أحد أقاربه، فحكى له جزءاً من القصة وحذف الأجزاء التي يخجل منها. لم يسأله الرجل عن أسماء، ولم يعرض عليه خدمة. قال فقط: «أنت تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم تبحث عمن يوهمك أن القوة كلها في يده».
سكت سمير. أصابته الجملة في موضع كان يتجنبه.
شرح له الرجل أن هذه الكلمة ترد القلب إلى فقره أمام الله. لا حركة من حال إلى حال، ولا قدرة على طاعة أو ترك معصية أو احتمال بلاء، إلا بعون الله. ليست شعاراً يضعه بائع على وعده، ولا كلمة نضغط بها على إرادة الناس. حين تقولها بصدق، تتخلى عن وهم أنك تملك كل النتائج.
رددها سمير ببطء تلك الليلة. لم تختفِ رغبته في الانتقام. لكنه سمعها هذه المرة وهي تكشف ضعفه بدلاً من أن تغطيه: لا أملك قلب الآخر. لا أملك محو ما قلت. أملك أن أتوب من ظلمي، وأن أطلب المغفرة، وأن أتوقف عن زيادة الضرر.
صلى، ثم كتب رسالة ولم يرسلها فوراً. اعتذر فيها عن كلام محدد من غير أن يطالب بالعودة. قرأها في الصباح فحذف جملة كانت تحمل تهديداً مستتراً. استشار شخصاً يعرف الطرفين، وقبل أن يكون الجواب: لا تتواصل الآن. كان قبول هذه النصيحة أشق عليه من دفع المال لوعد جديد. وربما لهذا كانت أقرب إلى القوة.
حين صار الخصم هو الطمع
ظل رقم أحد المدعين محفوظاً عنده أياماً. كان يشعر برغبة في الاتصال كلما ضاق صدره. «مكالمة واحدة، ربما يكون هو الأقوى». ثم يرى أن العبارة نفسها هي التي قادته في الدائرة. لم يحتج إلى مشهد بطولي؛ غيّر اسم الرقم في هاتفه إلى «وعد يعيدني إلى البداية». بعد أسبوع حذفه.
لم ينتصر سمير على غضبه دفعة واحدة. في بعض الأيام كان يدعو بالهداية والعدل، وفي أيام أخرى يتسلل إلى دعائه طلب أن يرى الآخر متألماً. كان يتوقف ويستغفر. هذه المجاهدة لم تكن جميلة في كل لحظة، لكنها كانت صادقة. تعلّم أن قوة النفس لا تعني إنكار الغضب، بل ألا تسلمه المقود.
صار له ورد قصير من الذكر بعد الصلاة، لا يعد به نفسه بنتيجة خارجية. وعندما يتسارع تفكيره، يخرج للمشي أو يتحدث إلى قريب مأمون. وإذا طال اضطراب النوم، لم يفسره تفسيراً غيبياً تلقائياً؛ طلب مساعدة مختص. الرقية الشرعية للنفس بقيت عنده قراءة ودعاء وطمأنينة، لا بديلاً عن العلاج ولا أداة لرد شخص رغم إرادته.
ومع الوقت بدأ يرى أموراً أهملها وهو يطارد الأقوى: عمله الذي تراجع، صلته بأهله، وصحته. أصلح ما استطاع. أعاد حقاً صغيراً لصاحبه، واعتذر لأخ كان يفرغ فيه غضبه. لم يحصل على النهاية التي كان يرسمها، لكنه لم يعد يقيس قيمته بعودة شخص أو انكساره.
نهاية لا تحمل كأساً ذهبية
لم يعد الطرف الآخر في نهاية الحكاية، ولم تأت رسالة تغير كل شيء. بقيت بعض الأيام ثقيلة. هذا جزء من الصدق الذي تفسده الوعود الكبيرة: أحياناً تعمل على نفسك ولا تحصل على ما تمنيت. لكنك تتوقف عن بيع عمرك لمحاولة السيطرة على ما ليس لك.
مر سمير ذات مرة بإعلان جديد: «الأقوى بلا منافس». شعر بالفضول القديم، ثم ابتسم بمرارة. سأل نفسه: «ما القوة التي أحتاجها اليوم؟» كان جوابه بسيطاً: أن أنهي عملي، وأن أصلي بهدوء، وألا أرسل رسالة وأنا غاضب. لم يكن جواباً يصلح لإعلان. لكنه أصلح يومه.
يا أخي، إن كنت تطارد لقب «الأقوى» لأن قلبك مكسور، فاجلس مع كسرك من غير أن تجعله حجة لظلم غيرك. اطلب من الله قوة على الصبر والعدل، واستعن بمن لا يبيعك الغيب. قد تكون الشجاعة أن تقبل حدودك، وأن تترك باباً أغلقه صاحبه، وأن تبدأ إصلاح الجزء الذي ما زال بين يديك.
أسئلة عن القوة والحدود
هل وصف شخص بأنه أقوى شيخ روحاني دليل على صدقه؟
لا. اللقب لا يثبت علماً ولا أمانة، ولا توجد طريقة موثوقة لقياس مثل هذه القوة. انظر إلى التواضع والسيرة واحترام إرادة الناس ورفض ضمان النتائج، واسأل أشخاصاً معروفين بالاتزان قبل أن تتعلق بوعد.
ما المعنى الروحي لعبارة «لا حول ولا قوة إلا بالله» هنا؟
هي إقرار بافتقار الإنسان إلى عون الله، وتحرر من وهم امتلاك النتائج وقلوب الآخرين. تعينك على طلب القوة للطاعة والصبر وترك الظلم، ولا تصلح شعاراً لتسويق السيطرة أو ادعاء معرفة الغيب.
ماذا أفعل إذا كان الغضب يدفعني إلى طلب الانتقام؟
لا تتخذ قراراً وأنت في ذروة الغضب. ابتعد عن من يغذي رغبة الإيذاء، واستعن بشخص حكيم أو مختص، وحافظ على الصلاة والذكر والدعاء بالعدل والهداية. إذا وُجد خطر أو عنف فاطلب حماية مناسبة، ولا تجعل الرقية بديلاً عن ذلك.