اتصل نادر في الحادية عشرة صباحاً. كان يتوقع صوت شيخ وقور، أو على الأقل رداً يعرف سبب المكالمة. جاءه صوت رجل متعجل يقول: «أي شيخ تقصد؟ هذا رقمي منذ مدة». اعتذر نادر وأغلق، ثم نظر إلى الصفحة المفتوحة أمامه. الاسم واضح، والرقم منسوخ في مواقع كثيرة، وبعضها يكرر العبارة نفسها: رقم موثوق ومجرب.
عاود الاتصال بعد دقائق، فقد ظن أن الرجل يخفي هويته. هذه المرة بدا صاحب الرقم منزعجاً. قال إنه يتلقى أسئلة غريبة منذ أسابيع، وإنه لا يعرف الشخص المذكور في الإعلانات. عندها شعر نادر بحرارة الخجل في وجهه. كان قد دخل المكالمة وهو يطلب عوناً، وخرج منها مدركاً أنه ربما حمّل بريئاً عبء إعلان لم يكتبه.
نادر اسم لهذه الحكاية فقط. هذه قصة مركبة من أنماط تتكرر عند تداول أرقام قديمة أو منسوخة، وليست واقعة منسوبة إلى شخص بعينه. لا تتضمن رقماً حقيقياً أو اسماً أو موقعاً محدداً. وهي لا تفترض أن كل خطأ مقصود، ولا أن كل صاحب إعلان محتال؛ إنها تنظر إلى ما يحدث حين يسبق الانتشارُ التثبت.
رقم بقي في الصفحات وتغير صاحبه
قبل المكالمة بأيام كان نادر قلقاً على خلاف في بيته. نصحه صديق بالدعاء والحديث الهادئ مع أهله، لكنه أراد أيضاً أن يسأل شخصاً صاحب خبرة دينية. كتب عبارة «ارقام شيوخ المغرب»، فظهرت له قوائم طويلة. الرقم نفسه كان يتكرر تحت أسماء متعددة، غير أن كثرة ظهوره بدت له دليلاً على صحته.
ظل نادر ينتقل بين الصفحات كمن يفتح أبواباً متجاورة في ممر ضيق. كل مرة يرى الرقم نفسه يشعر براحة قصيرة: لعل كثرة ظهوره تعني أن الطريق صحيح. لم يكن يبحث عن هاتف بقدر ما كان يبحث عن نهاية سريعة لخلاف البيت. وحين يكون القلب متعباً، قد يتحول التكرار في عينيه إلى طمأنينة، حتى لو كانت الصفحات كلها تردد النسخة الأولى.
قال نادر لصديقه بعد المكالمة: «كنت أحسب أنني أتحقق لأنني رأيته في أكثر من مكان». أجابه: «أنت رأيت الصدى، ولم تر المصدر».
لم تعجبه العبارة أول الأمر. شعر أنها تلومه، ثم فهمها. الصفحات كانت تسمع بعضها بعضاً، ولم يكن بينها شخص يعرف الشيخ أو صاحب الرقم. وهذا فرق مهم في أمور تتصل بالخوف والأسرة والدين: المعلومة المنسوخة قد تبدو مزدحمة، لكنها تظل وحيدة.
التثبت عبادة للسان أيضاً
فكر نادر أن ينشر تعليقاً غاضباً: «هذا الرقم كاذب». توقف قبل الإرسال. ما الذي يعرفه يقيناً؟ يعرف أن الرجل الذي أجابه أنكر علاقته بالاسم. لا يعرف متى صار الرقم له، ولا من نشره أول مرة، ولا هل كل المواقع تعلم أنه قديم. لو وصف صاحب الرقم بالكذب، فقد يضيف ظلماً إلى الخطأ.
التثبت ليس سوء ظن دائم بالناس، كما أن حسن الظن ليس أن نصدق كل ما يمر أمامنا. بينهما خلق هادئ: لا تتهم بلا بينة، ولا تسلم قلبك وخصوصيتك قبل أن تعرف مع من تتكلم. حين كان إصبع نادر فوق زر النشر، تذكر نبرة الرجل المنهكة. مسح اتهامه، وشعر أن امتناعه عن ظلم مجهول أول عمل صادق يفعله منذ بدأ البحث.
كتب بدلاً منه تنبيهاً مجرداً في المكان الذي وجد فيه الرقم: «اتصلت، وأفاد المجيب أن الرقم لا يعود للشخص المذكور. يرجى تحديث المعلومة». لم ينشر الرقم في مكان جديد، ولم يصف الرجل بما لا يعلم. ثم أرسل اعتذاراً قصيراً إلى صاحب الهاتف عن المكالمة الثانية.
قد يبدو الاعتذار أمراً صغيراً، لكنه أعاد إلى الموقف شيئاً من الستر. صاحب الرقم ليس تفصيلاً في قصة الباحث؛ له بيته ووقته وحقه في ألا يتحول إلى متهم أو هدف بسبب نسخة قديمة. ومن حق الشيخ المنسوب إليه الرقم أيضاً ألا نتكلم باسمه قبل أن نتحقق من وسيلته المعلنة.
من يعرف السيرة لا من يعرف الإعلان
عاد نادر إلى صديقه وسأله: «إذن كيف أصل إلى إنسان مأمون؟». لم يرسل له قائمة أخرى. أخذه بعد الصلاة إلى رجل كبير يعرفه أهل الحي، وسألا عن شخص يمكنه الاستماع إلى الخلاف الأسري من غير وعود ولا أسرار. ذكر الرجل اسماً يعرفه مباشرة، ثم قال: «اسأله عن حدود ما يستطيع، ولا تحمل كلامي أكثر مما قلت».
هذه الجملة طمأنت نادر أكثر من عبارة «مجرب». الرجل لم يضمن نتيجة، ولم يقل إن كل من يحمل الاسم صالح لكل مشكلة. شهد بما يعرفه من السيرة، وترك لنادر حق السؤال والقبول والرفض.
حين تحدث نادر إلى المستشار الذي دُل عليه، بدأ بتعريف واضح. أخبره أن ما يقدمه نصيحة دينية وإصغاء، وأن الخلاف قد يحتاج إلى حوار أسري أو مختص في العلاقات، وأن أي عرض صحي أو نفسي مستمر مكانه طبيب أو مختص مؤهل. لم يطلب صورة، ولم يدع معرفة الغيب. والأهم أنه لم ينزع المشكلة من حياة نادر ليضعها كلها في هاتفه.
قال له: «صل ركعتين إن استطعت، واهدأ قبل أن تكلم أهلك. ادع الله أن يريك الحق برحمة، ثم اسمع ما عندهم. الاستخارة ليست هاتفاً يخبرك بالغيب، والدعاء لا يعفيك من الاعتذار إذا أخطأت».
خرج نادر من الحديث بلا وعد أن خلافه سينتهي. خرج بشيء أقل لمعاناً وأكثر نفعاً: موعد لحديث صريح في البيت، وشخص معروف يمكن الرجوع إليه، ومساحة يذكر فيها الله من غير أن يعلق مصيره برقم مجهول.
الجواب الذي لم يكن في الرقم
عاد نادر إلى البيت وقد هدأ عنه اندفاع البحث، لكن الخلاف الذي دفعه إلى الهاتف كان ينتظره. جلس مع اثنين من أهله، وبدأ كلامه هذه المرة من موضع مختلف. لم يقل إن شيخاً سيحل الأمر، ولم يطلب منهم الصمت حتى تظهر النتيجة. قال: «كنت أريد جواباً سريعاً لأنني خفت أن أخسركم، فزدت المسافة بيننا».
لم يأت الصلح في لحظته. سمع كلاماً أوجعه، واكتشف أن بعض ما حسبه ظلماً كان سوء فهم، وأن له نصيباً من الخطأ أيضاً. احتاج إلى اعتذار، ثم إلى صمت طويل لم يملأه بتفسير غيبي. كان هذا أصعب من الاتصال برقم مجهول، لأن الحوار الحقيقي لا يَعِد صاحبه بأن يخرج بريئاً من كل شيء.
بعد أن نام البيت صلى ركعتين، ثم بقي جالساً. دعا أن يريه الله الحق برحمة، وأن يصرف عنه التسرع والظلم. قرأ ما تيسر من القرآن، ولم ينتظر علامة في الهاتف. وردد في سجوده: حسبي الله ونعم الوكيل، لا ليهرب من مسؤوليته، بل ليستعين بالله على مواجهتها بصدق. شعر أن التثبت بدأ من الداخل: أن يراجع نيته وكلامه قبل أن يطالب الآخرين بإثبات أنفسهم.
وفي الصباح فهم أن السؤال المهذب لا ينافي حسن الظن. يستطيع أن يسأل من دلني عليك، وما حدود ما تقدمه، وأن يحضر معه شخصاً مأموناً. والشيخ الصادق لا يغضب من هذه الأسئلة، ولا يجعل ثقة الناس به باباً لكشف أسرارهم أو تسليم قرارهم.
بعد أسبوع اتصل نادر بصاحب الرقم مرة أخيرة، لا ليسأله عن الشيخ، بل ليطمئن أن الموقع حذف البيانات. قال الرجل إن بعض الاتصالات خفت، وشكره على التنبيه. انتهت المكالمة في أقل من دقيقة.
أما خلاف البيت فلم يُحل بمكالمة واحدة. احتاج إلى اعتذارين وحديثين لم يكونا سهلين. وكان نادر، كلما استعجل جواباً، يردد دعاء قصيراً أن يرزقه الله بصيرة لا تظلم أحداً. لم يعد يبحث عن أكثر رقم انتشاراً. صار يبحث عن كلمة لها صاحب معروف، وعن قلب يستطيع أن يتثبت من غير قسوة.
أسئلة يطرحها الباحث قبل أن يضغط زر الاتصال
هل تكرار الرقم في مواقع كثيرة يثبت أنه صحيح؟
لا. قد تكون المواقع قد نسخت الرقم من مصدر واحد قديم. ابحث عن مصدر أول حديث، أو اسأل شخصاً معروفاً يعرف صاحب الرقم مباشرة، ولا تعتمد على عدد الصفحات وحده.
ماذا أفعل إذا أجاب شخص يقول إن الرقم لا علاقة له بالشيخ؟
اعتذر ولا تكرر الاتصال. لا تنشر الرقم ولا تتهم صاحبه. يمكنك تنبيه الموقع الذي عرضه بعبارة واقعية محدودة، من غير تشهير أو إضافة استنتاج لا تملكه.
هل سؤال المستشار عن هويته وحدود عمله ينافي حسن الظن؟
لا. السؤال المهذب يحفظ الطرفين. حسن الظن خلق، لكنه لا يلغي التثبت ولا حقك في رفض مشاركة الأسرار أو الصور أو المال قبل أن تعرف من تخاطب وما الذي يقدمه.