أبقت نوال ضوء الممر مشتعلاً، مع أن ابنها قال إنه سيحاول النوم من دونه. بعد دقائق سمعت قدميه الصغيرتين تقتربان، ثم ظهر عند الباب حاملاً وسادته. لم يبك هذه المرة. قال فقط: «اجلسي حتى أنام». جلست قربه، ووضعت كفها على الغطاء، وبقيت تراقب عينيه وهما تقاومان الإغماض.
في الصباح كان الطفل يضحك مع أخته ويطلب فطوره كعادته. لهذا بدت لياليه لغزاً ثقيلاً. هل يخاف من حلم؟ هل سمع شيئاً أخافه؟ هل في جسده ألم لا يعرف وصفه؟ كانت نوال تسأل، لكنه يجيب بكلمة أو يغير الموضوع. ومع تكرر المشهد بدأ القلق يسبق المساء؛ تراقب الساعة، وتنتظر الخطوات في الممر قبل أن تأتي.
نوال وطفلها شخصيتان لهذه الحكاية فقط. هذه قصة مركبة من أنماط متكررة في بحث الآباء عن تفسير روحاني لخوف الأطفال، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. لا تدعي القصة معرفة سبب غيبي، ولا تصف شيخاً حقيقياً أو نتيجة علاجية. موضوعها أم تحب ابنها حتى كاد خوفها عليه يضيف إلى خوفه خوفاً آخر.
حين صار المساء سؤالاً كبيراً
قالت قريبة لنوال إن الطفل ربما رأى ما لا يراه الكبار، وأضافت أن عليها أن تجد «الشيخ الروحاني المغربي» القادر على تشخيص الأمر من أول جلسة. لم تكن العبارة قاسية، بل قيلت بنية المساعدة. غير أنها دخلت قلب الأم من أضعف موضع فيه. إذا كان هناك سبب خفي، فكيف تحمي ابنها وهي لا تعرفه؟
بدأت نوال تلاحظ كل شيء. توقفه أمام غرفة مظلمة صار علامة. تقلّبه في النوم صار علامة. حتى سؤاله العادي عن موت قطة رآها في الطريق حملته في ذهنها أكثر مما يحتمل. لم تقل له إن في البيت شيئاً مخيفاً، لكنها كانت تراقبه بوجه متوتر، والأطفال يقرأون الوجوه قبل أن يفهموا الكلمات.
في إحدى الليالي سألها: «هل أنت خائفة أيضاً؟» أنكرت بسرعة، ثم خرجت إلى المطبخ وشعرت بالذنب. كانت تريد أن تكون له جداراً هادئاً، فإذا بقلقها يتسرب من بين الشقوق. عندها فهمت أن بحثها لا ينبغي أن يبدأ بمن يمنحها اسماً مخيفاً لما يحدث، بل بمن يساعدها على ألا تضع هذا الاسم في خيال الطفل.
الرجل الذي لم يملأ الفراغ بحكاية
دلّها فرد من الأسرة على رجل يعرفونه منذ زمن، لا من إعلان ولا من قائمة ألقاب. جلست إليه نهاراً، والطفل لم يكن حاضراً. حكت عن الاستيقاظ والخطوات والوسادة وضوء الممر. توقعت أن يقاطعها بتشخيص، لكنه سأل عن وقت بدء الخوف، وما الذي تغير في أيام الطفل، وهل يشكو ألماً، وكيف يكون مزاجه في النهار.
ثم قال: «لا أعلم سبب خوفه، ولا يجوز لي أن أضع في قلبه غيباً لا أعلمه». جاءت الجملة على نوال بصورة غريبة. جزء منها كان يريد يقيناً، أي يقين. لكنه حين قال «لا أعلم» لم تشعر أنه تركها وحدها؛ شعرت أنه رفض أن يستعمل ابنها ليبدو عارفاً.
شرح لها أن الطفل قد يخاف لأسباب كثيرة، بعضها عابر وبعضها يحتاج إلى انتباه طبي أو نفسي. لم يسخر من رغبتها في قراءة القرآن عليه، ولم يجعل القراءة منافسة للطبيب. قال إن الأم والأب يستطيعان أن يقرآ المعوذات بهدوء، ويمسحا على الطفل برفق إن كان يقبل ذلك، ويدعوا له بالحفظ والسكينة. وإذا استمر الخوف أو صاحبه ألم أو تغير واضح في نومه ونهاره، ففحصه عند طبيب الأطفال من تمام الرعاية، لا من ضعف التوكل.
كان صوته عادياً. لم يخفضه ليصنع رهبة، ولم يطلب اسم أم الطفل أو صورته، ولم يقل إن عليه أن يرى البيت. أعاد المسألة إلى موضع تستطيع نوال أن تتحرك فيه: حضن مأمون، قراءة تعرفها، أسئلة بسيطة، ومختص حين تدعو الحاجة.
الرقية التي لا تجعل الغرفة مسرحاً للخوف
في تلك الليلة لم تجمع نوال أهل البيت حول سرير ابنها، ولم تطفئ الأنوار فجأة لتختبر شجاعته. جلست إلى جواره بعد أن غسل أسنانه ورتب لعبته قرب الوسادة. قرأت الفاتحة والمعوذات بصوت يسمعه ولا يفزعه، ثم قالت له إن القرآن رحمة وإن الله يحفظنا، وإن الخوف شعور يمكن أن نتكلم عنه.
سألها إن كان هناك شيء في الغرفة. قالت: «لا أعرف شيئاً يدعو إلى ذلك، وأنا معك. إذا كان في جسدك وجع أو في بالك صورة أخافتك فأخبرني». هذه الإجابة أهدأ من حكاية غيبية، وأصدق من وعد بأنها ستمنع عنه كل خوف إلى الأبد. الأم لا تملك أن تلغي عن طفلها كل ليلة صعبة، لكنها تستطيع ألا تزيدها بتفسير مرعب.
الرقية في البيت لا تحتاج إلى استعراض. يستطيع الوالدان أن يقرآ ما تيسر من القرآن والأذكار المأثورة، وأن يدعوا بكلمات واضحة، من غير صراخ أو ضرب أو استجواب. وإذا رفض الطفل اللمس أو أراد أن يجلس بعيداً، يُحترم شعوره. الرحمة ليست تفصيلاً جانبياً في الرقية؛ هي الطريقة التي يعرف بها الصغير أن بيتَه مأمن، وأن القرآن لم يأت ليخيفه.
قالت نوال في سرها: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، ثم تركت الدعاء يهدئها هي أيضاً. لاحظت أنها كانت تقرأ في الأيام السابقة وعينها على وجه الطفل تنتظر علامة فورية. هذه المرة قرأت تعبداً ورجاء، لا اختباراً. لم تطلب من ابنها أن يثبت لها أن القراءة نجحت، ولم تسأله بعد كل آية: هل ذهب الخوف؟
روتين صغير أعاد الليل إلى حجمه
اتفق الأبوان على أن يكون ما قبل النوم أبسط. أوقفا المقاطع الصاخبة في وقت متأخر، وتركا للطفل فرصة يحكي فيها عن يومه بلا تحقيق. أحياناً قال إنه لا يعرف لماذا يخاف، فقبلا الجواب. وأحياناً تذكر صوتاً سمعه أو قصة رواها زميل، فاستمعا من غير أن يسخرا.
وضع الأب مصباحاً خافتاً يمكن للطفل تشغيله بنفسه. اختار الطفل موضعه، وهذه المشاركة الصغيرة أعطته شيئاً من القدرة بعدما صار الليل يحدث له كأنه أمر لا يملكه. لم يقولوا إن الشجاع لا يخاف؛ قالوا إن الشجاع يستطيع أن يطلب صحبة، وأن الخوف لا يجعله سيئاً ولا ضعيف الإيمان.
كانت هناك ليال هادئة، وليال عاد فيها إلى باب غرفة أمه. لم تعتبر نوال العودة فشلاً. تجلس قليلاً، تقرأ معه، ثم تعيده إلى فراشه إن استطاع. وحين طال الأمر أكثر مما توقعت، حجزت له موعداً طبياً. أخبرت الطبيب بما يحدث كما هو، من غير تشخيص جاهز. أرادت أن تتأكد من صحته ونومه، وأن تعرف إن كان يحتاج إلى متابعة أخرى.
خرجت من الموعد من دون قصة كبيرة تشرح كل شيء، لكن هذا لم يعد يرعبها كما كان. بعض الرحمة أن تقبل الأم مرحلة لا تعرف كل جوابها. «لا أعلم» لا تغلق الباب؛ قد تفتحه على ملاحظة أدق، وعلى طبيب يسأل، وعلى حديث كان الطفل يحتاج وقتاً كي يقوله.
كيف يُعرف صاحب المشورة حين يكون السائل أماً
لم تعد نوال تسأل من الأقوى في التشخيص. صارت تسأل: ماذا يفعل هذا الشخص بخوفي؟ هل يجعلني أرى طفلي طفلاً يحتاج حناناً، أم يحوله إلى دليل على حكاية غامضة؟ هل يحفظه من سماع كلام لا يناسب عمره؟ هل يقبل أن يقول لا أعلم، وأن يحيل إلى الطبيب؟
صاحب المشورة المأمون لا يطلب من الأم أن تفصل الطفل عن أبيه أو طبيبه، ولا يبني سلطته على أن كل اعتراض علامة على اشتداد حالة مزعومة. لا يطلب صوراً خاصة، ولا يرهب الطفل بأسماء وأوصاف، ولا يجعل استمرار الخوف ذنباً على الأسرة. إن قرأ القرآن، قرأه بسكينة. وإن دعا، لم يبع الدعاء كضمان. وإن خرج الأمر عن علمه قال ذلك من غير خجل.
وهنا معنى روحي دقيق: الأمانة ليست أن تجد تفسيراً لكل شيء، بل أن تخاف الله في قلب صغير. كلمة واحدة ثقيلة قد تبقى في ذاكرة الطفل سنوات. لذلك يكون الصمت عن الظن أحياناً رحمة، وتكون الإحالة إلى مختص عبادة مسؤولية، ويكون تعليم الوالدين الذكر أكرم من جعل البيت معلقاً بشخص غريب.
لم تلغ نوال الجانب الروحاني من بيتها. بالعكس، أعادته إلى صورته الأقرب: صلاة لا تتوقف عند أول قلق، أذكار صباح ومساء يسمعها الأطفال في جو طبيعي، ومعوذات قبل النوم، ودعاء لا يحمل تهديداً. صار التوكل عندها أن تضع خوفها بين يدي الله ثم تفعل ما تستطيع بهدوء.
ليلة قال فيها: اتركي الباب موارباً
بعد مدة لم تتحول حياة الأسرة إلى حكاية كاملة الحل. بقي الطفل يطلب الضوء في بعض الليالي، وتعب في ليلة بعد يوم مزدحم. لكن نوال لم تعد تدخل غرفته وهي تبحث في وجهه عن برهان. تدخل أماً. تسأله إن كان يريد ماء، وتستمع، وتقرأ إن أحب، وتبقي الباب موارباً.
في ليلة هادئة قال لها: «لا تجلسي اليوم، اتركي الباب قليلاً فقط». خرجت ولم تحتفل أمامه، ولم تتعامل مع الجملة كمعجزة. وقفت في الممر لحظة، ورددت المعوذات لنفسها، ثم أطفأت ضوء المطبخ. كان ما استعادته الأسرة أصغر من وعد خارق وأصدق منه: طفل استطاع أن يطلب ما يحتاجه، وأم استطاعت أن تسمع من غير أن تخيفه بما لا تعلم.