توقف يونس أمام صورة غرفة تمتلئ رفوفها بالكتب. لم يقرأ العنوان الصغير تحت كل مجلد، ولم يعرف صاحب الغرفة، لكن المشهد أجابه قبل أن يسأل: هذا رجل يحمل علماً قديماً. ثم قرأ سلسلة الألقاب المكتوبة بجوار الاسم، فشعر أن بحثه عن شيخ روحاني في فاس انتهى قبل أن يبدأ اللقاء.
هذه قصة مركبة من أنماط متكررة في الانبهار بالكتب والألقاب والخلط بين المعرفة وادعاء الغيب، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. يونس والرجل القارئ شخصيتان للحكاية، ولا تمثلان مدرسة أو زاوية أو عالماً حقيقياً، ولا تنسبان إلى فاس تقليداً أو صفة خاصة.
كان يونس طالباً شاباً يحب القراءة، لكنه كان مستعجلاً على جواب لا تمنحه الكتب عادة. أقلقه قرار يمس مستقبله، وتكرر في نومه مشهد لم يفهمه. بدلاً من أن يسأل عن الخيارات المتاحة وأثر كل واحد، أراد من شخص صاحب معرفة أن يخبره أي طريق كُتب له. بدا الطلب في عينه احتراماً للعلم، مع أنه كان يطلب شيئاً لا يملكه البشر.
رفوف أجابت قبل صاحبها
حين دخل على الرجل، أخذت عينه تتحرك بين العناوين والدفاتر. بعضها قديم المظهر وبعضها حديث، لكن يونس لم يكن يميز بينها. جمعها كلها في معنى واحد: سر متوارث. بدأ كلامه بمدح علم الرجل، ثم سأله إن كان يستطيع أن يعرف من الرؤيا ما سيحدث إن اختار هذا القرار أو ذاك.
أغلق الرجل الكتاب الذي كان يقرأه، وقال: «لا أعرف ما سيحدث لك». ظن يونس أن الجواب اختبار، فزاد في شرح الرؤيا وذكر تفاصيل لم يسأله عنها أحد. كرر الرجل: «أستطيع أن أتكلم معك عن الخوف والقرار، وقد أساعدك في قراءة معنى أخلاقي عام، أما الغيب فلا أعلمه».
شعر يونس بخيبة تكاد تكون غضباً. كيف يجلس المرء بين هذا العدد من الكتب ثم يقول لا أعلم؟ كان قد تعلم من الإعلانات أن اللقب الكبير يعني جواباً سريعاً، وأن الصمت نقص. لم يخطر له أن «الله أعلم» قد تكون ثمرة علم، لا ستاراً يخفي الجهل.
السؤال الذي لم تجب عنه المخطوطات
سأله الرجل: «لو أخبرك أحد أن قراراً بعينه مضمون، ماذا ستفعل بالأسباب التي أمامك؟». أجاب يونس بأنه سيرتاح. قال الرجل: «قد ترتاح لحظة، ثم تسلم مسؤوليتك لكلام لا تستطيع فحصه». لم يقل إن الرؤى بلا معنى دائماً، ولم يحولها إلى خريطة للمستقبل. تركها في موضعها: تجربة شخصية قد تذكّر أو تقلق، لكنها لا تمنح إنساناً سلطة على الغيب.
أخرج يونس ورقة كتب فيها بعض الألقاب التي وجدها. قرأها الرجل من غير سخرية، ثم قال إن اللقب لا يثبت العلم وحده، كما أن عمر الكتاب لا يثبت صحة كل ما ينسب إليه. التراث واسع؛ فيه علم نافع، وحكايات، واجتهادات بشرية، ونصوص تحتاج إلى أهل اختصاص. احترام القديم لا يعني تعليق العقل على بابه.
كانت هذه الجملة صعبة عليه. لقد أحب فكرة أن وراء كل غلاف قديم مفتاحاً سرياً، لأنها جعلت العالم قابلاً للحسم. أما القراءة المتأنية فتطلب صبراً ومقارنة ومعرفة بالسياق. والأسوأ أنها قد تنتهي إلى كلمة لا يحبها المستعجل: لا ندري.
حين صار اللقب بديلاً عن السيرة
اعترف يونس بأنه لم يسأل عن سيرة الرجل قبل أن يأتي. اكتفى بصورة الكتب وتعليقات تمدح قدرته. قال القارئ إن الناس قد يملكون مكتبات لأسباب كثيرة، وإن الصورة لا تخبر كيف يعامل صاحبها الضعيف، ولا كيف يحفظ السر، ولا هل يقبل التصحيح. العلم يُرى في أثره على الخلق بقدر ما يُرى في كثرة المحفوظ.
ثم سأله من أذن له أن يشارك تفاصيل أشخاص آخرين وردوا في مشكلته. ارتبك يونس. كان مستعداً لذكر أسماء وحوارات خاصة كي يحصل على تفسير أدق. أعاده السؤال إلى حد نسيه: المعرفة لا تبرر كشف أسرار الغائبين. ومن يدعي أنه يحتاج كل شيء كي يقرأ المستقبل قد يحول شغف الطالب إلى باب جمع لا ينتهي.
مزق يونس الورقة في ذهنه قبل أن يمزقها بيده. لم يعد يسأل: من يملك أضخم لقب؟ بدأ يسأل: من يقول ما يعرف ويتوقف عند ما لا يعرف؟ من يرد السر إلى صاحبه؟ من يترك لي حرية القرار بدلاً من أن يصنع حولي هالة من الخوف؟
الله أعلم ليست نهاية الحديث
ظن يونس أولاً أن قول «الله أعلم» يغلق الباب. لكنه وجد أن الحديث الحقيقي بدأ بعده. سأله الرجل عن القرار نفسه: ما الخيارات؟ ما المعلومات الناقصة؟ ما الذي يستطيع تأجيله؟ من أهل الخبرة في الجانب العملي؟ ظهرت أسئلة لم تكن براقة، إلا أنها نقلته من انتظار النبوءة إلى مسؤولية يمكنه حملها.
قال له: «صل الاستخارة إن أردت، وادع الله أن يقدر لك الخير، ثم استشر وافحص ولا تنتظر أن يتحول القلق إلى كشف». لم يعده بمنام، ولم يفسر انشراحاً عابراً كأمر ملزم. شرح له أن التوكل لا يعفي الإنسان من النظر، وأن الحيرة قد تبقى فترة من غير أن تكون علامة على ضعف إيمانه.
تحدث يونس عن اضطراب نومه. نصحه الرجل بأذكار المساء وما يحفظ من القرآن بقلب هادئ، وبأن ينظم نومه ويطلب مساعدة مختصة إذا طال الاضطراب أو أثر في دراسته وحياته. الدعم الروحي لا يغني عن المختصين عند الحاجة. لم يجعل كل حلم رسالة، ولم يجعل كل قلق مرضاً؛ أعطى كل باب قدره.
الذكر أعاده من الرمز إلى يومه
في الأيام التالية قاوم يونس رغبة البحث عن تفسير جديد كل ساعة. كان إذا تذكر المشهد الذي رآه في نومه يقول ما تيسر من الذكر، ثم يعود إلى عمل بين يديه. لم يستخدم الذكر لطرد سؤال بالقوة، بل ليمنع السؤال من ابتلاع يومه. شيئاً فشيئاً، صار الحلم ذكرى لا مديراً لقراره.
فتح كتاباً كان قد تركه لأنه لا يحمل وعداً مثيراً. قرأ صفحتين، وكتب ما فهمه وما لم يفهمه. اكتشف أن طلب العلم الحقيقي أبطأ من جمع الصور والألقاب. يحتاج إلى سؤال عن المصدر، وإلى قبول أن النص لا يجيب عن كل حاجة شخصية، وإلى معلم لا يغضب إذا قيل له: ما دليلك؟
وعندما تحدث مع زميل عن اللقاء، كاد يقول إنه وجد الرجل الأعلم. توقف. لم يكن يريد أن يصنع لقباً جديداً للشخص الذي حرره من الألقاب. قال فقط: «وجدت من لم يدع ما لا يملك، وساعدني على أن أعمل بما أعرف».
التراث حين لا يتحول إلى سلعة
عاد يونس إلى الرجل وفي يده سؤال عن نص رآه منسوباً إلى كتاب قديم. لم يتلق جواباً سريعاً. سأل الرجل عن الطبعة والنسبة والسياق، ثم قال إنه لا يستطيع الجزم قبل الرجوع إلى من هو أدرى بهذا الفن. فرح يونس هذه المرة بالتوقف. رأى فيه احتراماً للنص وللقارئ، لا نقصاً في الهيبة.
شرح له أن تحويل التراث إلى سلعة يبدأ حين يُقتطع الغامض ويُعرض كسر لا يملكه إلا البائع. كلما زاد الإبهام زاد الثمن، وكلما سأل الطالب قيل له إن الفهم يحتاج إذناً خاصاً أو مالاً آخر. أما المعلم الأمين فيبين حدود معرفته، ولا يبيع ادعاء كشف المستقبل تحت ستار خدمة الكتب.
ولا يعني هذا احتقار الموروث أو الارتياب في كل قديم. المحبة الصادقة للعلم تحميه من الاستعمال الرديء. تفرق بين ما يرقق القلب وما يدعي التحكم، وبين حكمة بشرية تقبل النقاش ووحي لا يجوز أن يُنسب إليه ما ليس منه. التواضع هنا حراسة، لا زينة في آخر الكلام.
أسئلة بقيت قبل أي تواصل
كتب يونس لنفسه أسئلة هذه المرة، لا أسماء. هل يفرق الشخص بين المشورة وبين علم الغيب؟ هل يرحب بالسؤال عن المصدر؟ هل يحفظ أسرار من لم يحضر؟ هل يقبل أن يقول لا أعلم ويحيل إلى أهل الاختصاص؟ وهل يربط نفعه بلقب أو مكان أو كتاب لا يسمح لأحد بفحصه؟
فهم أن عبارة شيخ روحاني في فاس قد تكون نقطة بدء للبحث الجغرافي، لكنها لا تجيب عن تلك الأسئلة. اسم المدينة لا يثبت علماً، وصورة الرف لا تكشف خلقاً، واللقب لا يمنح صاحبه حق الدخول في مستقبل الناس. ما يطمئن هو الأمانة الظاهرة: كلام محدود، وستر، وتواضع، وعمل مشروع.
أما قراره، فلم يحسمه الرجل عنه. جمع يونس معلوماته، وصلى واستخار، واستشار من يعرف الجانب العملي، ثم اختار وهو يعلم أن كل اختيار يحمل قدراً من عدم اليقين. لم يشعر بالنشوة التي وعدته بها الإعلانات. شعر بشيء أقل لمعاناً وأكثر ثباتاً: أنه لم يعد يحتاج إلى ادعاء الغيب كي يخطو.
مر لاحقاً بصورة رفوف أخرى، فتوقف لحظة ثم أكمل. ما زال يحب الكتب، وربما أحبها الآن على نحو أنضج. لم تعد جدراناً تخفي سراً يباع له، بل صحبة تعلمه أن المعرفة كلما صدقت ضيقت مساحة الادعاء. وفي قلب تلك الصحبة بقيت جملة قصيرة، لا تستعرض نفسها ولا تخجل من حدودها: الله أعلم.