توقف رشيد في منتصف الدرج ووضع كفه على صدره. لم يكن يصعد بسرعة، ومع ذلك بدا قلبه كأنه يطرق من الداخل يريد الخروج. بردت أصابعه، وضاق نَفَسه، وصار صوت الجيران خلف الأبواب أبعد من المعتاد. جلس على الدرجة حتى هدأت الموجة، ثم قال لنفسه للمرة الثالثة في أسبوع: لا بد أن أحداً يعرف ما هذا.
رشيد اسم مستعار، وهذه قصة مركبة من أنماط تتكرر حين يُفسَّر الخوف الجسدي تفسيراً غيبياً سريعاً، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. لا تصف طبيباً أو شيخاً حقيقياً، ولا تثبت أن ما شعر به رشيد كان له سبب محدد. غايتها أن تقترب من لحظة يكون فيها الإنسان خائفاً إلى حد أنه يشتاق إلى أي يقين، ولو جاءه من فم لا يعرفه.
في ذلك اليوم لم يخبر أحداً بما جرى. شرب ماء، غسل وجهه، وأكمل ما كان يفعله كأن الدرج لم يتحول قبل دقائق إلى مكان ضيق. كان يخجل من عبارة «أنا خائف». ظن أن من حوله سيقولون إنه يبالغ، فاستبدل الاعتراف بالبحث الصامت. كتب في هاتفه: اقوى شيخ روحاني في المغرب، وانتظر اسماً يعطيه جواباً لا يتردد.
يقين سريع لليل طويل
ظهرت له صفحات كثيرة. بعض العبارات وعدت بكشف السبب من أول حديث، وبعضها جعل الحيرة نفسها علامة على أمر خفي. انجذب رشيد إلى الجمل الحاسمة؛ لم يكن يريد درساً عن تعدد الأسباب، بل أراد أن يسمع: عرفنا ما بك. حين يتعب الجسد من الخوف، تبدو الجملة القاطعة مثل كرسي يوضع فجأة تحت إنسان أوشك أن يقع.
أجرى اتصالاً قصيراً. قبل أن يكمل وصف ما حدث، قيل له إن المسألة واضحة، وإن هناك أثراً لا يراه الناس العاديون. سُئل عن أحلامه وعن خلافات قديمة، وكل جواب صار دليلاً على التشخيص نفسه. إذا قال إنه ينام بصعوبة، فهذا تأكيد. وإذا قال إنه نام جيداً ليلة، قيل إن الأذى يتخفى. خرج من المكالمة بجواب كامل، لكنه لم يخرج براحة.
في الليل صار يراقب نبضه. يضع أصابعه على معصمه، يعد، يضيع منه العد، ثم يبدأ من جديد. كل خفقة أسرع كانت تفتح باب الخيال. وخلف الخيال وقفت العبارة التي سمعها في الهاتف. لم يعد الخوف موجة تمر؛ صار عنده خبراً عن شيء يطارده. وهذا أثقل.
لم يكن رشيد ساذجاً. كان مرهقاً وحيداً أمام إحساس لم يفهمه. الإنسان في تلك الحال لا يشتري الوهم لأنه يحب الوهم، بل لأنه يريد أن تنتهي المسافة بين السؤال والجواب. لكن بعض الأجوبة تقفل عليه الغرفة بدلاً من أن تفتح نافذة.
الرجل الذي لم يكمل الجملة عنه
بعد أيام ذكر رشيد الأمر لقريب هادئ يعرفه منذ زمن. لم يضحك القريب، ولم يسارع إلى تفسير ما حدث. سمعه حتى انتهى، ثم قال إن شخصاً معروفاً بالاتزان يمكن أن يجلس معه للدعاء والمشورة، شرط أن يبقى الأمر واضحاً: لا أحد يملك أن يشخص الغيب، ولا ينبغي أن يؤخر رشيد فحص جسده.
دخل رشيد المجلس وفي رأسه امتحان خفي. أراد أن يرى هل سيعرف الرجل ما فيه قبل أن يتكلم. لكن الرجل لم يستعرض شيئاً. سأله متى بدأت النوبات، وهل يصاحبها ألم أو دوار، وهل راجع طبيباً. تردد رشيد. كان ينتظر سؤالاً عن الحسد أو الأحلام، فجاءه سؤال عن صحته.
قال له الرجل: «يا أخي، أستطيع أن أقرأ معك ما تيسر وأن أدعو لك. أما سبب ما تشعر به فلا أعلمه. ووصفك يستحق أن يسمعه طبيب، فلا تجعل خوفي عليك نقصاً في التوكل».
وقعت عبارة «لا أعلمه» على رشيد بطريقة غريبة. جزء منه خاب؛ فقد جاء يبحث عن الأقوى، وكان يتخيل أن القوة تعني معرفة كل شيء. وجزء آخر ارتاح. للمرة الأولى لم يُطلب منه أن يخاف أكثر كي يصدق، ولم يُربط علاجه بسر لا يفهمه. كان أمام رجل لا يكبر في المجلس بإخفاء حدود علمه.
قول لا أعلم عبادة للأمانة
القوة الروحية ليست صوتاً لا يتردد أبداً. قد تظهر في ورع الإنسان عن الكلام فيما لا يعرف، وفي خوفه من أن يحمل قلباً قلقاً فوق ما يحتمل. من السهل أن يبهر المرء خائفاً بتشخيص واسع يفسر كل شيء. الأصعب أن يحفظ أمانته، ويقبل أن يخرج السائل من عنده متعلقاً بالله لا بشخصه.
قال الرجل لرشيد إن الرقية المشروعة لا تحتاج إلى بطولة غامضة. يستطيع أن يقرأ الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات على نفسه، ويحافظ على أذكار الصباح والمساء بقدر استطاعته. لا يقرأها وهو يختبر الله أو يراقب جسده بحثاً عن علامة، بل يقرأها عبادة وطلباً للسكينة والحفظ. وإن تعثر لسانه من الخوف، فدعاء قصير صادق يكفي لبدء العودة.
ثم أضاف أن الذكر لا يلغي موعد الطبيب، كما أن موعد الطبيب لا يطرد الذكر من القلب. الأخذ بالأسباب جزء من التوكل، لا خصم له. يذهب الإنسان إلى من يفحص ما يمكن فحصه، ويصلي، ويدعو، وينام ما استطاع، ويطلب صحبة من لا يزيد خوفه. هكذا تتسع حياته بدلاً من أن تنحصر في تفسير واحد.
موعد لم يكن هزيمة
احتاج رشيد إلى يومين قبل أن يحجز الموعد. كان في داخله صوت قديم يقول إن الذهاب إلى الطبيب اعتراف بأن إيمانه ضعيف. تذكر كلام الرجل: «لا تجعل خوفي عليك نقصاً في التوكل». أخبر أحد أفراد أسرته، وطلب أن يرافقه. حين نطق بما جرى على الدرج، شعر بالخجل أولاً، ثم بشيء أخف من الخجل: لم يعد يحمل السر وحده.
لم تمنحه الزيارة حلاً مسرحياً، ولم يعد إلى البيت إنساناً لا يعرف الخوف. تلقى تقييماً مناسباً لحالته ونصيحة بمتابعة الأعراض، وبدأ ينتبه إلى النوم والإجهاد وما يزيد توتره. المهم أنه توقف عن معاملة كل خفقة كرسالة غيبية. وإذا تكررت النوبة، صار يعرف أن له باباً طبياً وباباً أسرياً، وأن الدعاء حاضر بينهما لا خارجاً عنهما.
بعد الصلاة كان يجلس دقائق ويقرأ المعوذات على مهل. أحياناً يهدأ سريعاً، وأحياناً يبقى القلق. لم يعد يقيس صدق الذكر بسرعة زوال الإحساس. يقول: «حسبي الله»، ثم يتنفس كما تعلم، ويترك لشخص قريب أن يعرف أنه يمر بوقت صعب. العبادة أعادته إلى صحبة الله، والأسباب أعادته إلى الناس.
من هو الأقوى إذن؟
العبارة التي بحث بها رشيد توحي بمسابقة لا معيار لها. من يزعم أنه أقوى يستطيع دائماً أن يفسر الفشل بعائق جديد، أو يطالب السائل بمزيد من التسليم. أما الأمانة فترى أثرها في أشياء أقل لمعاناً: هل يسمح لك بالسؤال؟ هل يعترف بحدوده؟ هل يحفظك من الخوف؟ هل يفرح بأن تستغني عنه وتقرأ لنفسك وتراجع المختص؟
لا يحتاج الإنسان إلى تحقير التجربة الروحية حتى يرفض التشخيص المتعجل. يمكنه أن يحب القرآن والذكر والدعاء، وأن يؤمن بأن الله لطيف بعباده، ثم يقول في الوقت نفسه إن ألم الصدر وضيق النفس ونوبات الخوف تستحق رعاية صحية. هذا الجمع أهدأ للقلب وأصدق مع الجسد.
مر رشيد بعد مدة بالدرج نفسه. تباطأت خطواته للحظة، فذكر الله ووضع يده على الدرابزين، لا على هاتفه. لم يختبر نفسه ولم يتحد الخوف. أكمل صعوده، وحين وصل اتصل بقريبه ليقول إنه بخير الآن، وإن احتاج فسوف يطلب المساندة. كانت هذه شجاعته الجديدة: أن يقبل المساعدة من غير أن يسلم روحه لأول يقين.
صار يميز أيضاً بين الطمأنينة وبين غياب كل قلق. الطمأنينة عنده لم تعد وعداً بأن النوبة لن تعود، بل معرفة أنه إذا عادت فلن يواجهها سراً ولن يسميها غيباً قبل أن يفحصها. لديه أذكار يعرفها، وطبيب يستطيع الرجوع إليه، وقريب لا يطلب منه أن يتظاهر بالقوة. هذا الجمع لم يجعل أيامه كاملة، لكنه أعاد إليها مساحة للتنفس.
وحين كان يسمع من يمدح شخصاً بأنه يعرف كل شيء، لم يدخل في خصومة ولم يسخر من حاجة السائل. يقول بهدوء: اسأل أولاً كيف يتصرف حين لا يعرف. كان قد فهم من تجربته أن كلمة صادقة متواضعة قد تحمي إنساناً أكثر من تشخيص مهيب، وأن القلب لا يضعف حين يقبل حدود البشر.
أسئلة تبقى بعد هدوء الموجة
هل نوبة الخوف دليل قاطع على سبب روحاني؟
لا. الخوف الشديد وتسارع النبض وضيق النفس قد تكون لها أسباب متعددة، ولا يملك أحد أن يجزم بسبب غيبي من وصف مختصر. اقرأ ما يطمئنك من القرآن والأذكار، وراجع طبيباً إذا تكررت الأعراض أو اشتدت، واطلب المساعدة العاجلة عند وجود خطر صحي.
كيف أعرف قوة الشيخ الروحاني من أمانته؟
تظهر الأمانة حين يسمع من غير تهويل، ويقول لا أعلم عندما لا يعلم، ولا يبيع تشخيصاً قاطعاً أو يمنعك من الطب. المأمون يردك إلى الله، ويشجعك على الرقية لنفسك والدعاء والأخذ بالأسباب، ولا يجعل حاجتك باباً لتعلّقك به.