وضعت هناء الهاتف بين المقعدين وفتحت مكبر الصوت. كانت أختها ريم بجوارها، لا تمسك يدها ولا تلقنها ما تقول، فقط تجلس قريبة بما يكفي كي لا تضطر هناء إلى حمل المكالمة وحدها. قبل أن يرد الرقم، سألتها ريم: «هل تريدينني أن أبقى؟» هزت هناء رأسها وقالت: «نعم، لكن إذا لم أستطع الكلام لا تكملي عني».
هناء وريم اسمان لهذه الحكاية فقط. هذه قصة مركبة عن أثر الصحبة والموافقة عند طلب مشورة روحانية بعد تجربة خوف، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. لا تصف رقماً أو شيخاً أو واقعة حقيقية، ولا تقدم الخوف الذي مرت به هناء دليلاً على سبب غيبي محدد.
قبل يومين عادت هناء إلى بيتها مضطربة بعد موقف أفزعها. لم تنم جيداً، وكلما حاولت أن تشرح ما حدث اختلط عليها ترتيب الكلام. بحثت عن رقم هاتف شيخ روحاني في المغرب لأنها أرادت اسماً سريعاً لما تشعر به. ريم لم تسخر من بحثها، ولم تنتزع الهاتف. قالت فقط إن المكالمة الأولى لا ينبغي أن تتحول إلى غرفة مغلقة.
كرسي ثان غيّر شكل المكالمة
جاء الصوت من الطرف الآخر لطيفاً في بدايته. سأل هناء عن اسمها، ثم سمع صوت حركة خفيفة قربها فقال: «هل أنت وحدك؟» أجابت بأن أختها معها وبأن المكالمة على المكبر. سكت لحظة، ثم قال إن بعض الأمور لا تُكشف بوجود شخص ثالث، وإن الأفضل أن تدخل غرفة أخرى.
نظرت هناء إلى ريم. لم تقل الأخت «أغلقي فوراً»، لأن القرار ليس لها. سألتها بهدوء: «هل يريحك هذا؟» قالت هناء لا. أخبرت المتحدث أنها تريد بقاء أختها. حاول أن يقنعها بأن الرفض سيمنع التشخيص، وأن الخوف نفسه دليل على حاجتها إلى الانفراد. عندها شعرت هناء أن صدرها يضيق بالطريقة نفسها التي جاءت تطلب المساعدة من أجلها.
قالت إنها ستتوقف، وأغلقت. لم تقع كارثة. بقي الهاتف ساكناً على الطاولة، وبقيت ريم في مكانها. بكت هناء قليلاً، لا لأنها خسرت جواباً، بل لأنها كانت على وشك أن تتخلى عن الشرط الوحيد الذي جعلها قادرة على الاتصال.
المرافقة لا تعني أخذ صوت صاحبة الوجع
هناك فرق بين صحبة تحمي وصحبة تسيطر. ريم لم تكن وصية على أختها. لم تختبر كل جواب ولم تحول المكالمة إلى استجواب. مهمتها كما اتفقتا كانت أن تبقى، وأن تذكر هناء بحقها في التوقف إذا التبس عليها الأمر. وحتى هذا الدور لم تأخذه من تلقاء نفسها؛ طلبت الإذن أولاً.
من السهل أن يقال للخائفة: لا تتصلي، أو دعيني أتكلم بدلاً منك. لكن الخوف لا يعالج بمصادرة قرار آخر. قد تحتاج المرأة إلى أخت أو صديقة أو محرم أو شخص تثق به، وقد تفضل الحديث وحدها. المعيار هو رضاها وأمانها، لا عادة يفرضها الآخرون عليها. ويحق لها أن تغير رأيها أثناء الحديث.
استعادت هناء أنفاسها ثم قالت إنها ما زالت تريد مشورة، لكن بشروط أوضح. كتبت مع أختها على ورقة جملة واحدة: «وجود ريم جزء من موافقتي على المكالمة». لم تكتبا قائمة طويلة. كان هذا الحد كافياً ليكشف من يحترم صاحبة الحاجة ومن يريد عزلها.
رجل مأمون لم يضق بصوت الأخت
وصلهما لاحقاً اسم رجل يعرفه شخص من الأسرة معرفة مباشرة. حين بدأ الاتصال قالت هناء إن أختها جالسة معها وإن المكبر مفتوح. أجاب: «أهلاً بها ما دمت راضية، وإذا أحببت أن تصمت أو تتكلم فالأمر لك». ثم سأل هناء عما تستطيع قوله، ولم يطلب منها أن تعيد تفاصيل أوجعتها لمجرد الفضول.
قال بوضوح إنه لا يستطيع أن يبني تشخيصاً من مكالمة أولى، وإن الخوف واضطراب النوم لهما أسباب كثيرة. لم ينف الجانب الروحي من حياة هناء، لكنه لم يحوله إلى حكم جاهز. ذكرها بأن تقرأ لنفسها ما تحفظ من الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات وأذكار الصباح والمساء، وأن تجعل الصلاة موضع سكينة لا امتحاناً تنتظر بعده علامة.
وحين قالت ريم إن أختها لم تنم منذ الموقف، التفتت إليها هناء بعينيها قبل أن تكمل. فهمت ريم وسألت: «هل تسمحين أن أشرح؟» وافقت هناء. هذه الثواني الصغيرة قالت الكثير عن الصحبة: المعلومة لا تصبح مباحة لأن القائل قريب، والستر لا يسقط عند أول طلب للمساعدة.
لا تشخيص من أول مكالمة
كان أكثر ما أراح هناء أن الرجل لم يدع معرفة ما لم يعرفه. لم يسم خوفها أثراً ولا مساً ولا عملاً، ولم يجعل كل تفصيل دليلاً على تفسير واحد. قال إن استمرار الأرق أو اشتداد القلق أو تعطل يومها يستحق مراجعة مختص صحي، وإن طلب هذه المساعدة لا ينتقص من إيمانها ولا يمنعها من الذكر والرقية لنفسها.
التشخيص المتعجل يضيق على الإنسان عالمه. إذا قيل للخائف من أول دقائق إن سبباً غيبياً يطارده، قد يبدأ في قراءة كل خفقة وكل حلم وكل خلاف على أنه إثبات. أما الناصح الأمين فيترك أبواب الأسباب مفتوحة، ويعرف حد كلامه، ولا يمنع الطب أو المشورة الأسرية ولا يطلب ولاءً خاصاً.
قال الرجل لهناء: «اقرئي على نفسك إن كان ذلك يطمئنك، ولا تجعلي قراءتك اختباراً. القرآن هدى ورحمة، وليس جهازاً يعطيك تقريراً عن الغيب». أخذت الجملة إلى قلبها من غير أن تحولها إلى وعد. في تلك الليلة قرأت بصوتها، وكانت ريم في الغرفة الأخرى، قريبة لكن غير متربصة.
الموافقة تستمر ما دام الحديث مستمراً
في مكالمة لاحقة سأل الرجل إن كان يمكنه توجيه سؤال شخصي. قالت هناء إنها لا تريد الإجابة. انتقل إلى غيره من دون ضغط. عندها فهمت أن الموافقة ليست كلمة تقال في البداية ثم تنتهي صلاحيتها. لكل سؤال باب، وصاحبة السر تفتحه أو تبقيه مغلقاً.
الشخص المريب يجعل الحدود عقبة أمام «العلاج»، أو يهدد بأن المرافق يفسد العمل، أو يطلب صوراً وأسراراً عن غائبين، أو يبني الخوف على رفض الانفراد. أما المأمون فلا يحتاج إلى عزلة كي يثبت مكانته. يرحب بالمرافق الذي اختاره صاحب الحاجة، ويوضح ما يستطيع وما لا يستطيع، ويقبل التوقف من غير تهويل.
وهذا الحق لا يقتصر على النساء. كل إنسان قد يضعف صوته حين يخاف، وقد يحتاج إلى من يجلس قربه ويذكره باتفاقه مع نفسه. الصحبة ليست إعلان عجز. أحياناً تكون من الأخذ بالأسباب، مثل أن يرافقك شخص إلى موعد طبي أو مجلس صلح لأنك تريد قلباً هادئاً وذاكرة أخرى لما قيل.
اتفقت الأختان كذلك على ما سيحدث بعد المكالمة. لا تسجل ريم الحديث ولا تلخصه للعائلة، ولا تسأل هناء عن كل كلمة حين ينتهيان. إذا أرادت هناء المراجعة قالت ما تختاره هي. هذا الاتفاق أراحها، لأن بعض المرافقين يمنعون العزلة أثناء الجلسة ثم يصنعون عزلة أخرى حين يحولون السر إلى حديث بيت.
وكانت ريم تحتاج إلى حد يحميها هي أيضاً. قالت إنها تستطيع الجلوس والاستماع، لكنها لا تستطيع أن تكون متاحة كل ساعة أو أن تتحمل وحدها مسؤولية خوف أختها. قبلت هناء ذلك. الصحبة المأمونة لا تبتلع المرافق، ولا تجعل المحبة عهداً بالصمت عن الإرهاق. يمكنهما طلب عون أوسع إذا احتاجتا.
من يجلس معك أهم من الرقم
بعد أيام سألت هناء أختها: «هل كنت ستمنعينني لو وافقت على الانفراد؟» قالت ريم إنها كانت ستعبر عن قلقها، لكنها ما كانت تريد أن تخيفها أو تحبسها. ثم أضافت: «كنت أتمنى فقط أن تتذكري أنك تستطيعين الخروج». لم يكن الجواب مثالياً في صياغته، لكنه كان صادقاً. تعلمت الأختان معاً حدود الصحبة.
صارت هناء قبل أي حديث تسأل نفسها عمن تريد قربها، وما الذي تأذن بقوله، وكيف ستعلن التوقف. لم تكن هذه الأسئلة طقوس خوف جديدة. كانت وسيلة لاستعادة صوتها حتى لا يقرر القلق أو المتحدث الغريب شكل المجلس كله.
لم يصبح الرجل الثاني محور أيام هناء. لم يطلب منها متابعة يومية، ولم يجعل الرقية مرتبطة بصوته. كانت تقرأ لنفسها، وتدعو: اللهم آمن خوفي، واحفظ قلبي وعقلي، ودلني على السبب النافع. وحين استمر اضطراب نومها، قبلت أن تطلب مساعدة صحية مع بقاء الصلاة والذكر في يومها.
ظل كرسي ريم في مكانه قرب الهاتف، لكنه لم يعد علامة على ليلة فزع. صار يذكر هناء بسؤال بسيط سبق الاتصال الأول: «هل تريدينني أن أبقى؟» في ذلك السؤال اجتمعت الصحبة والستر وحرية القرار. ولم يكن الرقم، في النهاية، هو الذي حفظها من العزلة. كانت أختاً استأذنت قبل أن تجلس، ثم بقيت.