كانت الخالة تطوي منديلها ببطء، ثم تعيد فتحه وتطويه من الجهة الأخرى. فهمت أمل الإشارة من غير كلام: لن تذهب وحدها. قبل دقائق فقط كانت الشابة تقول إن الأمر بسيط وإنها تريد سؤالاً قصيراً، لكن الخالة أجابت: «إذا كان قلبك يحتاج إلى لسان يعرفه، فليكن معه وجه يعرفه أيضاً».
أمل اسم مستعار، وهذه قصة مركبة عن طلب الأمان عبر القرب اللغوي والأسري، وليست شهادة منسوبة إلى امرأة أو مجلس بعينه. تقع الحكاية في بيئة أسرية من سوس من غير وصف عرف محلي خاص أو نسبة قول إلى جماعة كاملة. اللهجة هنا صوت بيت يمنح أمل طمأنينة، لا علامة على علم خفي ولا شهادة أمانة.
كبرت أمل وهي تسمع في المنزل تعبيرات لا تستعملها كثيراً خارجه. حين تعبت نفسياً بعد خلافات متلاحقة، وجدت نفسها تشتاق إلى تلك النبرة أكثر مما تشتاق إلى نصيحة بعينها. كانت تريد شخصاً لا يطلب منها ترجمة مشاعرها إلى لغة رسمية باردة. كتبت عبارة «الشيخ الروحاني المغربي السوسي»، وشعرت أن الوصف نفسه يعيدها إلى غرفة الجلوس القديمة في بيت الأسرة.
لغة البيت حين يصعب الكلام
هناك أوجاع تزداد حين يعجز الإنسان عن تسميتها. أمل لم تكن تملك قصة مرتبة. كانت تقول إنها تشعر بثقل، ثم تتراجع لأن الكلمة بدت كبيرة. تذكر خصاماً، ثم تخاف أن تظلم الطرف الآخر. وتتكلم عن اضطراب نومها، ثم تضحك لتخفف وقع ما قالت. ظنت أن شخصاً قريباً من لهجة بيتها سيفهم الفراغات بين الجمل.
هذا الاحتياج إنساني. اللغة ليست أصواتاً فقط؛ فيها ذاكرة من نادانا برفق، وطريقة الأمهات في السؤال، ونبرة العتاب التي نعرف أنها لا تقصد الطرد. القرب الثقافي قد يجعل المجلس أقل غربة، وقد يعين السائل على الإفصاح. لكن القلب حين يجد الألفة قد يمنح الثقة بسرعة أكبر مما ينبغي. ما يريح الأذن ليس دائماً ما يحفظ السر.
وجدت أمل اسماً يقدمه الناس بوصف «السوسي». لم تعرف عنه إلا مقطعاً قصيراً وصوتاً مألوفاً. قال لها شخص في الرسائل إن الحديث معها سيكون أسهل لأنها «من أهل المنطقة»، ثم طلب أن تتواصل وحدها كي لا تتداخل الآراء. هنا تدخلت الخالة. لم تقل إن الرجل سيئ، فهي لا تعرفه. قالت فقط إن الألفة ليست سبباً للعزلة.
الخالة لم تسأل عن الكرامات
جلست المرأتان معاً وبدأتا تسألان عن السيرة من طريق أشخاص يعرفون الشخص معرفة مباشرة، لا من إعلان يكرر لقبه. كانت أسئلة الخالة بسيطة: هل يحفظ كلام الناس؟ هل تقصد الأسر مجلسه وهي مطمئنة؟ هل يقبل أن تبقى القريبة حاضرة؟ ماذا يفعل حين يسمع أمراً يحتاج إلى طبيب أو مستشار أسري؟
لاحظت أمل أن خالتها لم تسأل مرة واحدة: هل هو الأقوى؟ لم تسأل عما «يكشفه» ولا عن نتائج خارقة. قالت إن الرجل المأمون يُعرف في الأيام العادية: كيف يتكلم عن الغائب، وكيف يرد من يسأله عن أمر لا يعلمه، وهل يجمع الناس على الله أم يجمعهم حول اسمه.
الصحبة هنا لم تكن رقابة ثقيلة. وجود الخالة أعطى أمل وقتاً لتسمع نفسها. حين كانت تتعجل الموافقة، سألتها الخالة: «هل فهمتِ؟» وحين خجلت من الاعتراض، قالت: «يمكننا أن نعود إلى البيت». شخص واحد مأمون قد يرد للإنسان حق التمهل، خصوصاً حين يدخل مجلساً وهو متعب ويريد أن يرضي من أمامه.
مجلس بقي بابه مفتوحاً
اختارتا في النهاية مجلساً أوصى به قريب تثقان بحكمه، وبقيت الخالة مع أمل كما اتفقتا. لا نحتاج إلى اختراع مكان أو رجل بعينه؛ المهم في المشهد أن الحضور لم يكن مشكلة. رحب صاحب المجلس بهما، ولم يطلب انفراداً، ولم يجعل وجود القريبة دليلاً على سوء الظن.
بدأت أمل كلامها بالفصحى المتأنية، ثم عادت من غير قصد إلى لسان البيت في جملة قصيرة. أجابها بما فهمت، وسألها أن توضح حين لم يفهم. لم يدّع أن الانتماء إلى البيئة نفسها يجعله يعرف ما لم تقله. هذا الفارق طمأنها: القرب الحقيقي لا يتظاهر بإلغاء المسافة، بل يجعل السؤال ألطف.
حين وصفت اضطراب نومها وثقل الأيام، لم يمنحها تشخيصاً غيبياً. قال إن الإنسان قد يقرأ ويرقي نفسه ويدعو، وإن استمرار التعب يستحق أن تتحدث مع مختص مناسب. لم يقل إن الأمر كله نفسي، ولم يقل إنه كله روحاني. ترك الباب واسعاً للأسباب، وأبقى الدعاء في قلب الطريق.
قال لها: «القرآن لا يحتاج إلى سر بيني وبينك. اقرئي ما تحفظين، واسألي الله السكينة، وابقِي قريبتك قريبة ما دام وجودها يريحك».
الستر أوسع من الصمت
كانت أمل تظن أن الستر يعني ألا يعرف أحد بتعبها. لذلك حملت مشاعرها وحدها حتى صارت كل كلمة ثقيلة. فهمت في المجلس معنى آخر: الستر لا يساوي العزلة. يمكنها أن تختار شخصاً أميناً وتتكلم بقدر الحاجة، وأن ترفض نشر التفاصيل، وأن تطلب مساعدة من غير أن تتحول قصتها إلى مادة يتداولها الناس.
كما أن الستر لا يلزمها بإجابة كل سؤال. إذا طُلبت صورة أو معلومة شخصية أو وصف محرج لا تفهم صلته بما جاءت لأجله، يحق لها أن تتوقف. ويحق للخالة أن تقول: «لماذا تحتاجون هذا؟» لا تُبنى الرقية على انتهاك الحياء، ولا يفقد الدعاء أثره لأن امرأة أصرت على بقاء قريبتها أو رفضت لمساً لا تريده.
بعد العودة إلى البيت، لم تفتح أمل هاتفها لتفتش عن لقب أكبر. جلست قرب خالتها، وقرأت المعوذات بصوت خافت. صححت الخالة لها كلمة ثم سكتت. لم يكن المشهد درساً ولا جلسة علاج؛ كان صحبة. وبين آية وأخرى شعرت أمل أن لسان البيت الذي طلبته لم يكن ملك شخص غريب. كان معها منذ البداية.
السوسي وصف قرب لا شهادة غيب
الانتساب إلى سوس قد يدل على أصل أو إقامة أو صلة عائلية، لكنه لا يضع صاحبه في مرتبة روحانية خاصة. ومن الظلم أيضاً أن نحكم على أهل بيئة كاملة من تجربة شخص واحد. الأسماء الجغرافية تساعدنا على التعارف، ولا تعفينا من التثبت الفردي. الرجل الأمين يُسأل عن أمانته، أياً كانت لهجته.
قد تفضّل أمل شخصاً يفهم كلام أسرتها، وهذا حق مفهوم. لكن عليها أن تميز بين فائدتين مختلفتين: راحة التواصل، وصلاح المشورة. الأولى قد تأتي من اللغة المشتركة. أما الثانية فتحتاج إلى تواضع وسيرة وحفظ للحدود واستعداد لقول لا أعلم. إذا اجتمعتا كان ذلك حسناً، وإذا افترقتا فلا ينبغي أن تشتري الألفة بثمن سلامتها.
الشيخ الذي يرد الإنسان إلى الله لا يحتكر اللغة ولا يزعم أن الدعاء يمر عبر نسبه أو بلدته. يذكرك أن الله يسمعك بلسانك، حتى إن تعثرت الكلمات. وقد يقرأ معك الفاتحة والمعوذات، ثم يشجعك على الصلاة في وقتها، وعلى إصلاح ما تستطيع، وعلى مراجعة الطبيب أو المستشار حين يكون ذلك هو السبب المناسب.
ما بقي من الزيارة
في الأيام التالية كتبت أمل في ورقة صغيرة ما تريد قوله في الموعد مع المختص، كي لا يضيع منها الكلام حين تتوتر. ساعدتها الخالة في ترتيب الأفكار، لكنها لم تتكلم نيابة عنها. حافظت أمل على أذكارها من غير أن تحولها إلى اختبار يومي: هل اختفى الثقل أم لا؟ كانت العبادة موضع قرب، والمتابعة موضع عناية، وكل واحدة تحمي الأخرى من الإفراط.
لم تصبح الخالة رفيقة دائمة لكل خطوة. بعد أن اطمأنت أمل، بدأت تذهب إلى بعض مواعيدها وحدها. الفرق أنها لم تعد ترى الاستقلال في قطع الصحبة، ولا ترى الصحبة في تسليم قرارها. تعلمت أن تقول: «أحتاج أن تبقي معي الآن»، ثم تقول لاحقاً: «أستطيع أن أكمل». هذه حرية هادئة.
أما المنديل الذي كانت الخالة تطويه، فقد نسيته عند أمل في ذلك اليوم. وضعته الشابة قرب مصحفها، لا كتذكار ذي سر، بل علامة على يد لم تدفعها ولم تسخر منها. حين ضاق صدرها مرة أخرى، لم تبحث أولاً عن لهجة مجهولة خلف شاشة. اتصلت بخالتها وقالت بلغتهما المنزلية البسيطة: «ابقَي معي قليلاً».
سؤالان عن القرب والأمان
هل كون الشيخ سوسياً يكفي للثقة به؟
لا. القرب في اللهجة والخلفية قد يخفف الغربة ويساعد على فهم بعض العبارات، لكنه لا يثبت العلم أو الأمانة. اسأل عن سيرة معروفة، وراقب احترام الستر والحدود ورفض ادعاء الغيب، واصطحب شخصاً مأموناً إذا كان ذلك أريح لك.
هل يحق للمرأة أن تبقي قريبتها معها في المجلس؟
نعم، من حقها أن تشترط حضور قريبة أو قريب مأمون، وأن ترفض الخلوة واللمس وطلبات الصور أو الأسرار التي لا تفهم حاجتها. من يربط الدعاء أو الرقية بعزلها عن أهلها يضع حاجتها في غير موضع الأمان.