في الثامنة وسبع دقائق كانت مريم تحمل حاسوبها بيد، وترد على أمها باليد الأخرى. قالت الأم: «لا تنسي أن تتصلي بأخيك، هو غاضب منك». ظهرت رسالة من مديرها في اللحظة نفسها: «أحتاج النسخة النهائية قبل الاجتماع». كتبت للأم «حاضر»، وللمدير «قيد الإنجاز»، ولم تكن حاضرة تماماً مع أي منهما.
هذه قصة مركبة من أحوال يتشابك فيها ضغط العمل والأسرة حتى يطلب الإنسان تفسيراً واحداً لتعب متعدد، وليست شهادة منسوبة إلى شخص بعينه. مريم اسم مستعار، ولا تصف الحكاية الدار البيضاء أو أهلها بصفة ولا تنسب إلى المدينة عادة روحانية. نتتبع يوماً واحداً فقط، تغير إيقاعه حين كف صاحبه عن مطاردة جواب حاسم.
جلست إلى مكتبها، فتحت الملف، ثم أعادت قراءة الفقرة الأولى خمس مرات. لم تكن الكلمات صعبة. رأسها هو الذي كان ممتلئاً: فاتورة تأخرت، خصام الأخ، زيارة عائلية وعدت بها، وتعليق من المدير فهمته على أنه إنذار. قبل التاسعة شعرت بوخز في كتفها وبكاء قريب لا يخرج. مسحت عينيها قبل أن يراه أحد.
التاسعة والنصف: تفسير جاهز لكل التعب
في استراحة قصيرة دخلت مريم إلى دورة المياه وأغلقت الباب. كتبت في هاتفها: «شيخ روحاني في الدار البيضاء». لم تكن تفكر في رحلة طويلة بين إعلانات. أرادت مكالمة تنتهي قبل عودتها إلى المكتب، وجملة تقول إن ما يحدث لها سببه كذا، وإن الحل يبدأ اليوم.
ظهر رقم في نتيجة قريبة. أرسلت: «أشعر أن كل شيء يتعطل في وقت واحد». جاء السؤال: «هل تغير نومك؟ هل كثرت الخلافات؟» أجابت نعم. كان يمكن لأي إنسان مضغوط أن يجيب نعم، لكن التشابه أخافها وأراحها معاً. كتب الطرف الآخر أن الأمر قد يكون «عملاً روحانياً» وأنه يستطيع التأكد إذا أرسلت اسمها واسم أمها وبعض التفاصيل.
سمعت طرقاً على الباب. خبأت الهاتف كأنها ضُبطت تفعل شيئاً معيباً. لم تكن معيبة ولا ساذجة؛ كانت متعبة، والتعب يحب الجواب الذي يجمع الفوضى في كلمة واحدة. عادت إلى مكتبها وهي تنتظر رسالة أخرى. صار جزء من عقلها يراقب الهاتف، والجزء الباقي يحاول إكمال العمل.
الحادية عشرة: اليوم يسرع وهي تتباطأ
خلال الاجتماع سألها المدير عن رقم في الجدول، فلم تجده بسرعة. كرر السؤال بنبرة أعلى. احمر وجهها، وسمعت في داخلها العبارة التي وصلتها قبل قليل: التعطيل. بعد الاجتماع دخلت زميلتها هناء خلفها إلى المطبخ الصغير وقالت: «أنت لست على طبيعتك اليوم».
أجابت مريم أولاً: «لم أنم جيداً». ثم خرج الكلام دفعة واحدة. تحدثت عن رسائل البيت، وخوفها من خسارة العمل، وعن الرجل الذي قال إن وراء ذلك سبباً روحانياً. توقعت أن تضحك هناء. لم تفعل. صبت لها ماء، وسألت إن كانت أكلت شيئاً. لم تكن قد أكلت.
قالت هناء: «قد يكون في قلبك خوف يحتاج إلى دعاء، لكن الرجل لم يسمع يومك كله. كيف اختصره في كلمة؟» ثم سألتها إن كان المدير هددها فعلاً. لم يفعل. كان يطلب النسخة متأخرة منذ الأمس. وسألتها عن أخيها. لم يكن الخصام جديداً، بل تجدد لأن مريم تؤجل الرد منذ أسابيع. بدأت الخيوط تستعيد أسماءها العادية.
لم تقل هناء إن كل شيء نفسي، ولم تنف عن العالم ما لا تعرفه. قالت فقط إن الحكم من رسالتين ظلم لمريم ولحياتها. اقترحت أن تترك الهاتف معها حتى الغداء إن أرادت. رفضت مريم، ثم وضعت الجهاز مقلوباً على الطاولة. كان هذا كافياً في تلك الساعة.
الواحدة: رجل لم يقبل الجواب السريع
في موعد الغداء اتصلت مريم برجل تعرفه أسرتها بحسن السيرة، يسألونه أحياناً في أمور الدين والإصلاح. لم تكن مكالمة إلى اسم مجهول هذه المرة. بدأت بعبارة: «أحتاج أن أعرف إن كان بي شيء روحاني». أجابها: «أستطيع أن أسمعك وأدعو لك، لكني لا أستطيع أن أبني تشخيصاً على ضيق يوم».
أزعجها الرد. قالت إن نومها مضطرب وإن الخلافات كثرت. سألها منذ متى، وكم ساعة تعمل، وهل تحمل مسؤوليات لا تتكلم عنها. ثم قال بهدوء: «لا تختصري تعبك في كلمة تخيفك. قد تحتاجين إلى راحة وحدود وكلام صريح مع أهلك، وقد يفيدك مختص نفسي. هذا لا يناقض الدعاء».
لم يطلب اسم أمها، ولا صورة، ولا سراً عن زميلاتها. لم يَعِد بإبطال شيء قبل الغروب. وحين سألته إن كان يستطيع الجزم بأن لا سبب غيبياً، قال: «لا أجزم بما لا أعلم. لكن ما نجهله لا يبيح لنا أن نهمل السبب الظاهر أو نخيف الناس». كانت «لا أعلم» أبطأ من الجواب الذي أرادته، لكنها أقل قسوة.
الناصح المأمون لا ينتزع من ساعة الاستراحة حكماً على حياة كاملة. يساعدك على استعادة أنفاسك، ويردك إلى الصلاة والأسباب ومن يستطيع أن يحمل معك ما ثقل.
قبل أن يغلق قال لها: «صلي الظهر حين تستطيعين، لا لتختبري هل سيختفي القلق فوراً، بل لتقفي بين يدي الله كما أنت. ثم اختاري أمراً واحداً يمكنك فعله اليوم». لم تشعر مريم بالحل. شعرت بإذن أن تتوقف عن حل كل شيء مرة واحدة.
الثانية والنصف: سجدة لم تغيّر العالم
صلت مريم في مكان هادئ. في السجود تداخلت الكلمات، فلم تصنع دعاء فصيحاً. قالت: «يا رب، أنا متعبة. دلني على ما عليّ اليوم، واحفظني من الخوف والظلم». بكت قليلاً، ثم جلست بعد السلام حتى هدأ تنفسها. بقيت المهام في مكانها، وبقي خلاف أخيها. العالم لم يتغير. إيقاعها هو الذي تباطأ درجة.
فتحت هاتفها، فوجدت رسالتين من صاحب الرقم المجهول. الأولى تستعجل الرد، والثانية تقول إن التأخر قد يزيد التعطيل. قرأتهما من غير القشعريرة نفسها. لم تدخل في جدال ولم تتهمه. كتبت أنها لا تريد متابعة التواصل، وطلبت حذف ما أرسلته. ثم حظرت الرقم حين جاءها إلحاح جديد.
عادت إلى الملف وكتبت لمديرها أنها تحتاج إلى توضيح الأولوية: هل يراجع النسخة الآن أم يريد الجدول أولاً؟ أجاب: الجدول أولاً، والبقية غداً. كانت تحمل العملين كأنهما مستحقان في اللحظة نفسها، بينما لم يطلب هو ذلك. أنجزت الجدول، وتركت في النسخة ملاحظة صريحة عما بقي.
هذا النوع من التمهل ليس وصفة سحرية، وقد لا يكون متاحاً دائماً بالسهولة نفسها. بعض أماكن العمل قاسية فعلاً، وبعض البيوت تثقل فرداً أكثر مما يحتمل. لذلك لا يكفي أن نقول للمتعب: اهدأ. السكينة الروحية تحتاج أحياناً إلى قرار واضح، وحدود، وطلب مساندة، وربما علاج أو حماية إذا وجد أذى.
الخامسة: الكلام الذي تأجل أسابيع
خرجت مريم من العمل وفي ذهنها مكالمة أخيها. كادت تؤجلها مرة أخرى، ثم تذكرت الأمر الواحد الذي تستطيع فعله اليوم. اتصلت وقالت منذ البداية: «أنا أعرف أنك غاضب، لكن لا أستطيع إدارة كل شؤون البيت وحدي. أريد أن نتكلم من غير أن تجعلني مسؤولة عن رضا الجميع».
ارتفع صوته في الدقائق الأولى، وارتفع صوتها. لم تصبح المكالمة نموذجاً مثالياً. لكنها توقفت حين بدأت الجمل القديمة تعود، وقالت إنهما يمكن أن يكملا غداً. اتفقا على أن يتولى هو ترتيب الزيارة العائلية هذه المرة. كان خلافهما يحتاج أكثر من مكالمة، إلا أن الحمل انقسم لأول مرة.
ثم اتصلت بأمها. لم تسرد تفاصيل يومها كلها، ولم تطلب منها أن تختار بينها وبين أخيها. قالت إنها تحبها، وإن عبارة «لا تنسي أخاك» في أول الصباح تجعلها تشعر أن إصلاح الأسرة وظيفتها وحدها. سكتت الأم، ثم قالت: «لم أقصد ذلك». لم يكن هذا اعتذاراً كاملاً، لكنه فتح حديثاً أصدق من كلمة «حاضر» التي تكتبها مريم وهي تختنق.
في طريقها حجزت موعداً أولياً مع مختصة نفسية أوصتها بها زميلتها. راودها صوت يقول إن طلب المساعدة اعتراف بضعف الإيمان. ردت عليه بما سمعته ظهراً: الدعاء لا ينافس العلاج. القلب يدعو، والإنسان يأخذ بسبب يعلّمه كيف يفهم القلق ويضع حدوداً قبل أن ينهار.
الثامنة: ما بقي حين انتهى اليوم
في البيت أكلت مريم وجبة بسيطة وأبعدت الحاسوب عن السرير. كتبت على ورقة ما حدث من غير تفسير غيبي جامع: نامت قليلاً، تأخر عمل، ضغطتها الأسرة، خافت، ثم استعجلت جواباً. كانت الوقائع أقل إثارة من كلمة «عمل روحاني»، لكنها قابلة للعناية. تستطيع أن تنام أبكر، وتراجع مسؤولياتها مع المدير، وتتكلم مع أهلها، وتذهب إلى موعدها.
قرأت ما تيسر من القرآن، لا لتبحث في كل آية عن إشارة تخص ذلك اليوم، بل لتستعيد معنى الرحمة والتوكل. رقت نفسها بالفاتحة والمعوذات كما اعتادت من غير أعداد غامضة ولا وعد بنتيجة محددة. ثم دعت لمن في بيتها بالهداية واللين، ودعت لنفسها ألا تحمل ما ليس لها.
تذكرت بحثها عن شيخ روحاني في الدار البيضاء. المدينة لم تكن سبب ضيقها ولا علاجه، والرجل المأمون لم يكن مأموناً لأنه قريب منها مكاناً. عرفته الأسرة من تعامل طويل، وظهر أمانه حين رفض أن يحول تعبها إلى سلعة أو أن يزاحم المختصين. المكان يجيب عن سؤال «أين؟»، أما الثقة فتحتاج سؤالاً آخر: كيف يعامل الخائف حين لا يملك له يقيناً؟
أغلقت الضوء عند العاشرة والنصف. لم تنم فوراً، ولم تستيقظ في اليوم التالي بلا قلق. لكن الهاتف لم يعد تحت وسادتها، ولم تعد تنتظر من غريب أن يسمي حياتها بكلمة. كان أمامها عمل وحديث عائلي وموعد مساعدة. أشياء كثيرة، نعم، لكنها لم تعد كتلة واحدة. وبين كل أمر وآخر مساحة تقول فيها: حسبي الله، ثم تفعل ما تستطيع.